اختراع الحفلات
هل لاحظتم أننا أصبحنا نحتفل بكل شيء؟
حفل استقبال مولود، وحفل كشف جنس الجنين، وحفل أول يوم دراسي، وحفل التخرج من الروضة، وحفل التخرج من المرحلة الابتدائية، ثم المتوسطة، ثم الثانوية، ثم الجامعة. وهناك حفل التقاعد، وحفل افتتاح مشروع، وحفل الانتقال إلى منزل جديد، واحتفال ما قبل الزواج، بل وحتى حفلات للاحتفال بمرور عام على مشروع، أو ذكرى زواج، أو إنجاز شخصي.
أحيانًا أتساءل: هل نحن من اخترع هذه الحفلات، أم أنها هي التي اخترعت لنا أسبابًا جديدة للفرح؟
قد يراها البعض مبالغة، أو استنزافًا للمال، أو نتيجة للتأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، وربما يكون في ذلك شيء من الصحة. لكن لو تأملنا الصورة من زاوية أخرى، لوجدنا أن الإنسان، منذ القدم، يبحث عن مناسبة يجتمع فيها مع من يحب، ويتبادل التهاني، ويصنع ذكرى جميلة.
والجميل أن الناس لا يحتفلون بالطريقة نفسها، فلكل إنسان مفهومه الخاص للفرح. هناك من يكتفي بأن يتذكر المناسبة بصمت، وهناك من يشتري قطعة حلوى صغيرة مع فنجان قهوة، وهناك من يجمع أسرته حول مائدة بسيطة، وآخر يدعو الأصدقاء إلى عزيمة كبيرة، وغيرهم يفضل السفر أو شراء هدية لنفسه. وفي النهاية، يبحث الجميع عن الشعور ذاته، وهو أن للحياة محطات تستحق الاحتفاء.
صحيح أن بعض الحفلات أصبحت مكلفة، وربما تجاوزت حدود المعقول أحيانًا، حتى أصبح البعض ينفق أكثر مما يستطيع. لكن المشكلة ليست في فكرة الاحتفال نفسها، بل في الاعتقاد بأن قيمة المناسبة تُقاس بحجم الإنفاق.
فالطفل الذي يحتفل بتخرجه من الروضة لا يتذكر قيمة القاعة بعد سنوات، لكنه يتذكر أنه كان سعيدًا، وأن عائلته كانت سعيدة به. والموظف الذي يُكرَّم في نهاية مسيرته المهنية قد لا يتذكر تفاصيل الضيافة، لكنه يتذكر أن هناك من قدّر سنوات عطائه.
ومن منظور الصحة النفسية، تشير دراسات وآراء عدد من المختصين إلى أن هذه المناسبات، عندما تكون مريحة وغير متكلفة، قد تمنح الإنسان فرصة للخروج من روتين الحياة، وتخفف شيئًا من العزلة، وتجدد المشاعر، وتصنع ذكريات جميلة. فلسنا مخلوقات خُلقت للعمل فقط، بل نحتاج أيضًا إلى لحظات نتوقف فيها لنفرح بما تحقق، مهما بدا بسيطًا.
ولهذا، أصبحت الحفلات اليوم تمثل نشاطًا اقتصاديًا متناميًا؛ يضم قاعات، ومنظمين، ومصورين، ومصممي ديكور، وخدمات ضيافة، وهدايا، وأزياء، وزهورًا، وموسيقى، وإضاءة، ومئات المهن التي تدور حول فكرة واحدة: أن الإنسان يحب الفرح، ويحب أن يشاركه مع الآخرين.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل نحتفل لأننا سعداء، أم نحتفل حتى نصبح أكثر سعادة؟
أعتقد أن الإجابة تختلف من شخص لآخر. فهناك من يجد سعادته وسط الناس، وهناك من يفضل احتفالًا هادئًا مع أسرته، وآخر يرى أن أجمل احتفال هو جلسة في منزله مع كتاب أو فيلم وكوب شاي. ولا يوجد نموذج واحد صحيح، لأن الفرح لا يُقاس بعدد الحضور، ولا بحجم الكعكة، ولا بعدد الصور المنشورة.
وربما لهذا السبب تستمر الحفلات في الظهور بأشكال جديدة كل عام. فالإنسان، مهما ازدحمت حياته بالمسؤوليات، يبقى بحاجة إلى مناسبة تذكره بأن الحياة ليست قائمة مهام تنتهي، بل لحظات تستحق أن تُعاش.













