آخر تحديث: 30 / 7 / 2026م - 9:22 م

تستاهل العَنوة يا أبا عبد الله

الدكتور ماهر آل سيف *

حين نحبّ إنسانًا، لا نكتفي بذكر اسمه في المجالس، بل نسعى إليه بالخطوات، ونحمل له الأشواق في النبضات؛ فالمحبّة التي لا تحرّك ساكنًا قد تكون إعجابًا عابرًا، أمّا المحبّة الصادقة فتدفع صاحبها إلى القرب والاقتداء، وإلى الوفاء والاهتداء.

ولذلك تقول العرب لمن غلا قدره، وعلا ذكره، واستحق أن تُقطع لأجله الطرق والمسافات: تستاهل العَنوة؛ أي تستحقّ أن نأتيك ولو شقّ المسير، وأن نقصدك ولو طال الطريق وكثر العناء المرير.

ومن هذا المعنى يمشي الملايين في أربعين الإمام الحسين ؛ فلا يحملهم الطريق وحده، بل يحملهم الحنين، ولا تقودهم الأقدام فقط، بل يقودهم الإيمان والوجدان. يمشون لأن الحسين ليس شخصيةً عبرت في صفحات التاريخ ثم غابت، بل قيمةٌ بقيت، ورايةٌ ارتفعت، ومدرسةٌ في الكرامة ما انطفأت.

إنهم يمشون إلى سبط رسول الله ﷺ، إلى ابن علي وفاطمة عليهما السلام، إلى من قال فيه جدّه المصطفى: «حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا»، وهو حديث حسّنه الترمذي، ورُوي كذلك في ابن ماجه ومسند أحمد.

فيا لها من منزلةٍ لا تُنال بالادّعاء، ويا له من حبٍّ قرنه النبي بمحبة السماء! لم يقل: أحبّ الحسين فحسب، بل دعا لمحبه بحبّ الله؛ وكأن الطريق إلى الحسين ليس طريق أرضٍ وتراب، بل طريق مبدأٍ وثواب، وطريق صدقٍ واقتراب.

وقال رسول الله ﷺ أيضًا: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، وهو حديث حسن صحيح عند الترمذي، وقد ورد من طرق متعددة.

فمن يمشي إلى سيد شباب أهل الجنة، لا يمشي إلى مجهول المكانة، ولا يقصد غريب الرسالة؛ بل يقصد حبيب النبي، وريحانة بيت النبوّة، ووارث مكارم الرسالة والفتوّة.

أيها الماشي إلى الحسين، هنيئًا لك عناؤك إن خلصت نيّتك، وهنيئًا لك خطوتك إن هذّبت سيرتك؛ فليس المقصود أن تتعب القدم ويبقى الخُلُق نائمًا، ولا أن يعلو صوت الزيارة ويظلّ الضمير صامتًا. الحسين قدوةٌ قبل أن يكون وجهة، ومن أحبّه صدقًا حمل من عدله عدلًا، ومن رحمته رحمةً، ومن شجاعته موقفًا، ومن عبادته خشوعًا، ومن إصلاحه مشروعًا.

ويا من يلوم المشّائين، تمهّل في اللوم قبل أن تُصدر الحكم؛ فقد ترى قدمًا تمشي ولا ترى قلبًا يبكي، وقد تحصي المسافة ولا تدرك حرارة العاطفة. لست مطالبًا بأن تشعر بما يشعرون، ولكنك مطالب بألّا تسخر مما لا تفهم، وألّا تجرح محبةً لها في قلوب أصحابها مقامٌ وحُرم.

فالناس في حياتهم يبالغون أحيانًا في التعبير عن المحبة؛ يستقبلون ضيفًا عزيزًا فيوسّعون له المائدة، ويهدون حبيبًا فيرفعون قيمة الهدية، ويسافرون للقريب والصديق الساعات الطويلة. قد يحتاج بعض ذلك إلى اعتدالٍ وتدبير، ولكن أصله مفهوم: إنها المحبة حين تضيق بها العبارة، فتتّسع لها الإشارة.

وكذلك محبّ الحسين؛ قد يعجز لسانه عن وصف الشوق، فتتكلم عنه خُطاه، وقد يضيق صدره عن حمل الحنين، فيسكبه دمعةً ودعاءً ومسيرًا. والمحبّة الصادقة لا تعني الغلوّ الذي يخالف العقل أو الشرع، ولا تبرّر الضرر أو الإسراف؛ لكنها تفسّر لماذا يهون التعب، ولماذا تقصر المسافات، ولماذا يشعر الماشي أن كل خطوةٍ سلام، وكل عثرةٍ وسام.

فلا تسأل المحبَّ: لماذا مشيت؟ بل اسأل قلبه: من الذي ناداك فأتيت؟

وسيجيبك من عمق الشوق، ومن وجع التاريخ، ومن نور الرسالة:

مشيتُ إلى من أحبّه رسول الله، وإلى من أحبّ اللهُ من أحبّه؛ مشيت إلى ابن فاطمة وعلي، إلى سيد شباب أهل الجنة، إلى إمام الكرامة ومصباح السفينة.

تستاهل العَنوة يا أبا عبد الله،

وتستاهل الخطوة والدمعة والدعاء،

فما سار إليك محبٌّ إلا حمله الوفاء،

وما قصد بابك قلبٌ صادقٌ إلا قال:

لبيك يا حسين… ما بقي في العمر نبضٌ ونداء.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ضياء ال اسعد
[ نيويورك امريكا ]: 30 / 7 / 2026م - 8:58 م
احسنت دكتور ماهر في وصف القلوب الولهانه بعشق سيد شباب الجنة ابا عبدالله ولذلك ترى بعض الغربيين يتعنى للمشي في طريق الأربعين لمعرفة هذا السر
بارك الله فيك ابا علي وجعل الحسين شفيعك وشفيعنافي يوم الحشر ??????