حين اطمأنت النفس «10»
منابع التسبيح الخالد
تضمّ الصحيفة السجادية في طيات أدعيتها مضامين روحية وأخلاقية وتربوية تبرز معالم الشخصية الإيمانية، ومن تلك المضامين العالية ما يتعلق بالجانب الأسري والاجتماعي، وكيفية بناء تلك العلاقات وفق الاحترام والتقدير وحسن التعامل. فتلك النفثات التي تبعثها النفس الأمارة بالسوء من حقد وحسد وكراهية، والتي تملأ القلب سوادًا، يتعالى عنها المؤمن بروح الصفح والتسامح والتصالح مع الذات، ولا سيما أنه لا يرى للحياة الدنيا استقلالًا في وجودها، بل يعدّها معبرًا وجسرًا إلى الحياة الآخرة.
ومن أقرب الطرق إلى مغفرة الله تعالى وعفوه ما يسلكه المؤمن من روح الصفح عمن أساء إليه، وأن يتجاوز الاحتكاكات اليومية والنقاشات الساخنة بروح التغافل، ويمر عليها مرور الكرام. وهكذا تتحول تلك القيم الأخلاقية التي تتضمنها الأدعية من مجرد مفردات نظرية تسكن العقول من دون تأثير في السلوك، إلى منهجية عملية تتجسد في ممارسات يومية، يتجلى فيها ما يحمله المؤمن من رسالة تربوية استقاها من الأدعية، كدعاء مكارم الأخلاق وغيره.
فكل مناجاة ودعاء يتكفل ببناء جانب مهم من أخلاق الإنسان وسلوكياته، والارتقاء بها نحو الاتزان والاستقامة. وأما في الجانب العقلي، فإن زاده المعرفي يتكامل بالانفتاح على أحد أبواب المعرفة الإلهية، ولهذا استحقت الصحيفة السجادية أن توصف بأنها دستورٌ للتربية الإيمانية؛ فهي تصنع شخصية الإنسان عندما يحيا التوحيد والعقائد الحقة في فكره.
وأما على مستوى العمل في أرض الواقع، فتتصف هذه الشخصية بالإخلاص والأمانة والخوف من الله تعالى؛ ليكون الإنسان عبدًا لله تعالى في جميع شؤون حياته وعلاقاته، قبل أن يكون داعيًا بلسانه. فالصحيفة السجادية منهجية تربوية للعقل، تكسبه الوعي والنضج والنظرات المتأنية والمدروسة، وتربي العاطفة لتكون لسانَ حاله وعمله، من خلال صقلها وتطبيقها في بيئته الأسرية، وتبادل المشاعر الصادقة مع زوجته وأولاده، وكذلك مع محيطه الاجتماعي.
فكل دعاء فيها يفتح نافذة على معرفة الله تعالى والبراهين العقلية، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه في محراب الطاعة والمناجاة، وبنفسه من خلال الانطلاق في ميدان اكتشاف الطاقات وتنميتها، وبالناس وفق قيم صنعِ المعروف، ومواساة الآخرين، واستشعار همومهم وآلامهم.
إن وصف الصحيفة السجادية بزبور آل محمد ﷺ يعبّر عن القيم التي تضمنتها، وعن مكانتها الروحية والمعرفية؛ إذ تمثل منهجًا في بناء شخصية الإنسان وتهذيب نفسه من الرذائل والأهواء، وقد امتازت أدعية الإمام السجاد
بأنها جمعت بين عمق العقيدة، ورقة العبودية، وسمو الأخلاق، فهي خطاب تربوي وسلوكي يوقظ القلب من سبات الغفلة، ويرسخ في النفس معارف التوحيد والمفاهيم الأخلاقية، كالتوكل والتوبة، ومسؤولية الفرد تجاه مجتمعه، وصنعت وعيًا إيمانيًا يربط الإنسان بالله تعالى في كل تفاصيل حياته ومحطاتها، فأضحت لسانًا ناطقًا بحكمة أهل البيت
، وميراثًا خالدًا يفيض نورًا ومعرفةً وأخلاقًا على كل من يتأمل كلماتها النيرة ويتدبرها، فالصحيفة السجادية ليست كتابَ أدعيةٍ فحسب، بل مشروع إلهي متكامل لصناعة الإنسان الذي يعرف ربه، ويهذب نفسه، ويعمر الأرض بقيم الخير والإحسان.













