آخر تحديث: 1 / 8 / 2026م - 11:47 م

أشرس الحروب

ياسين آل خليل

يفتح الإنسان عينيه كل صباح ليجد نفسه أمام سيلٍ جارف من الرسائل، والاشعارات، والاخبار، والمقاطع، والإعلانات، والآراء التي تتدفق إلى هاتفه. لم يعد المرء بحاجة إلى أن يخرج إلى العالم، فالعالم كله صار يدخل إليه دون إذن مسبق. في خضم هذا الزحام تبدأ أول معركة يخوضها في يومه، معركة لا يسمع فيها ضجيج السلاح، لكنها قد تحدد مصير قلبه وعقله وروحه. إنها معركة الجهاد مع النفس، التي وصفها أهل المعرفة بأنها من أشرس الحروب التي تتجدد مع كل رغبة، وكل قرار، يختار فيه الإنسان بين ما تهواه نفسه وما يرضي ربه.

لم يكن عبثًا أن يُنظر إلى جهاد النفس على أنه أعظم ميادين الجهاد، فهو ليس صراعٌ مع عدو يواجهك من الخارج، هذا العدو يحمل ملامحك، ويتحدث بصوتك، ويعرف نقاط ضعفك. قد يستطيع الإنسان أن ينتصر في ميادين كثيرة، لكنه إذا انهزم أمام نفسه خسر أعظم معاركه. ولهذا فإن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على قهر الآخرين، وإنما بقدرته على قهر أهوائه، وكبح رغباته.

معركة الجهاد مع النفس أصبحت في عصرنا أشد ضراوة مما كانت عليه في أي وقت مضى. ففي الماضي كان الوصول إلى كثير من المحضورات يحتاج إلى سعي وبذل ومخاطرة، أما اليوم فهي تصل إلى الإنسان وهو قابع في بيته. أصبحت التقنيات الحديثة تتنافس على جذب انتباهه، وتحويل وقته إلى سلعة، وتصميم محتوى يناسب رغباته، حتى يشعر أنه هو من يختار، بينما هو يُقاد بخيوط لا يراها. المشكلة في وجود المغريات أنها أصبحت تحاصر الإنسان من كل حدب وصوب، حتى أضحى الثبات عبادة تحتاج إلى مجاهدة وصبر.

لعل أخطر ما أنتجته هذه البيئة الرقمية أنها لم تكتف بإثارة الشهوات، بل غيّرت طريقة تفكير الناس. فحين يرى الإنسان آلاف الصور والمقاطع في دقائق معدودة، فإنه من الطبيعي أن يضعف تركيزه، ويعتاد السرعة، ويضيق صدره لأتفه الأسباب. وحين يشاهد الملايين يمارسون السلوك نفسه، أو يرددون الفكرة ذاتها، يبدأ الخطأ يفقد غرابته، ويخفت صوت الضمير أمام كثرة المألوف. وهكذا تصبح المعصية أخف لأن النفس اعتادت رؤيتها حتى ألفتها.

من هنا تعددت ميادين جهاد النفس في هذا العصر. فجهاد البصر لم يعد يقتصر على غض الطرف في الطريق، بل أصبح يبدأ من شاشة الهاتف. وجهاد السمع لم يعد مقصورًا على تجنب مجالس السوء، بل امتد إلى ما تستقبله الأذن من محتوى لا يكاد ينقطع. أما جهاد الفكر، فقد أصبح من أعظم الواجبات، في زمن تُقدَّم الأفكار المنحرفة في ثوب الحرية والتقدم، حتى يختلط على بعض الناس الفرق بين الانفتاح وفقدان الهوية، وبين التحرر والانفلات.

أما معركة القلب مع حب الظهور، والرغبة في لفت الأنظار، والبحث الدائم عن الإعجاب والتفاعل فإنها لا تقل أهمية عن غيرها من المغريات. فقد أصبح بعض الناس يقيس نجاحه بعدد المتابعين، وقيمته بعدد الإعجابات، حتى تحول رضا الناس عند البعض إلى غاية، بعد أن كان وسيلة. في المقابل، هناك معركة أخرى لا يشعر بها كثيرون، وهي معركة الوقت، إذ لا تُسرق الأعمار دفعة واحدة، بل تُستنزف في دقائق متفرقة من التصفح العشوائي، حتى يلتفت الإنسان إلى سنوات عمره وقد ضاعت.

ومع ذلك، فإن الله لم يترك الإنسان في هذه المعركة بلا سلاح. فأول أسلحة الانتصار أن يستعيد الإنسان سيادته على وقته، فيخصص لنفسه ساعات يخلو فيها من ضجيج الأجهزة، ويمنح قلبه فرصة ليستعيد صفاءه. وأن يختار الصحبة التي تذكره بالله إذا غفل، وتشجعه على الخير إذا فتر، وأن يملأ فراغه بعلم نافع، أو قراءة واعية، أو مهارة تنفعه وتنفع مجتمعه. فالنفس لا تبقى فارغة، فإن لم تُشغل بالحق شغلت صاحبها بالباطل.

يبقى السلاح الأعظم هو الرقابة التي لا تنام، رقابة الضمير الحي، المستند إلى الإيمان، وإلى مقام الإحسان، حيث يعيش المؤمن وهو يستحضر أن الله مطلع على سره وعلانيته. فعندما يستقر هذا المعنى في القلب، لا يعود الإنسان بحاجة إلى رقيب من الناس، لأن الرقابة الإلهية المقترنة بالعظمة قد عمرت قلبه، فيصبح قادرًا على أن يقول ”لا“ لشهوة عابرة، من أجل ”نعم“ تدوم أثرًا وأجرًا.

إن الحرية التي يتغنى بها كثير من الناس ليست في أن يستجيب الإنسان لكل ما تشتهيه نفسه، فذلك قد تفعله النفس إذا تُركت لهواها، وإنما الحرية الحقيقية هي أن يمتلك زمامها، فلا تقوده حيث تشاء، بل يقودها إلى حيث ينبغي. ومن ينتصر في هذه المعركة، فقد ربح أعظم انتصار، لأنه لم يحفظ دينه فحسب، بل حفظ إنسانيته أيضًا. ولعل هذا هو المعنى الأعمق لجهاد النفس في عصرنا.. أن تبقى روح الإنسان أقوى من خوارزميات الأرض، وأن يبقى قلبه متعلقًا بخالقه، مهما اشتدت حوله المغريات، وتعاظمت الفتن، وتبدلت الأزمنة.