آخر تحديث: 1 / 8 / 2026م - 11:47 م

حين يرحل المعلمون

منير النمر *

هناك أيام لا ترحل فيها أسماء فقط، بل ترحل معها ذاكرة مدينة، وجزء من وجدان مجتمع بأكمله. اليوم، ودّعت العوامية ومحافظة القطيف اثنين من رجالات التربية والتعليم، المعلم جعفر آل خزعل والمعلم لقمان الفرج، اللذان جمعتهما رسالة التعليم في الحياة، وجمعهما القدر في يوم وداع واحد.

لم يكن مشهد التشييع عصر اليوم عاديًا، الازدحام كان أكبر من الكلمات، حتى إنني لم أستطع حمل النعش إلا مرة واحدة، لكنها كانت كافية لأدرك أن الأثر الذي يتركه المعلم الحقيقي أثقل من أن يُحمل وأوسع من أن يُختزل في وداع.

بالنسبة لي، لم يكن المعلم جعفر مجرد معلم مر في حياتي، بل كان المرشد الذي احتوانا منذ أثناء دراستنا، كان قريبًا من طلابه، يسمعهم قبل أن يوجههم، ويزرع فيهم الثقة قبل الدرس.

ومع مرور السنين، حين دخلت مهنة الصحافة، ظل حاضرًا بعلمه ورأيه، فتراه مشاركًا في تقرير يتم نشره بالجريدة، مقدمًا رؤى عميقة، فهو لا يبخل بوقته ولا بمعرفته. كان حضورًا مهنيًا وإنسانيًا في آن واحد.

أما المعلم لقمان الفرج، فكان مثالًا للمعلم الذي يصنع الفرق. معلم الفيزياء الذي حوّل صعوبة المادة إلى فهم وإلى حب لدى كثير من طلابه. عرفناه منذ سنوات طويله مجتهدا في تعليم الطلاب.

اليوم، لم تخسر العوامية معلمين فقط، بل فقدت اثنين ممن أسهموا في صناعة أجيال كاملة، أجيال تحمل في ذاكرتها كلمة، أو نصيحة، أو موقفًا لا ينسى.

ويبقى من هذا الرحيل المؤلم درس لا ينبغي أن يغيب، فالحوادث لا تسرق أفرادًا فقط، بل تسلب المجتمع خبراته ورموزه وأصحاب أثره. ولسنا هنا بصدد الحديث عن تفاصيل أو أسباب، لكننا معنيون جميعًا بأن نجعل الطريق أكثر أمانًا، أن نبتعد عن الهاتف أثناء القيادة، وأن نعطي الطريق كامل انتباهنا. فثوانٍ من الغفلة قد تحرم مجتمعًا من إنسان كان يصنع المستقبل في كل صباح داخل فصله الدراسي. رحم الله المعلم جعفر آل خزعل، ورحم الله المعلم لقمان الفرج، وجعل ما غرسا من علم وتربية في ميزان حسناتهما.

شاعر وصحافي