على ضفاف الأربعين… موعدٌ لا تغيب عنه القلوب
ليس كلُّ حزنٍ دمعةً، فثمّة أحزانٌ تتطهّر من الدموع حتى تصبح صلاةً صامتةً في أعماق القلب؛ أحزانٌ لا تُروى باللسان، لأن اللغة تضيق عنها، ولا يُنقص الزمن من أثرها شيئًا، بل يزيدها حضورًا كلما انقضت الأعوام.
ليست بعض الوقائع العظيمة تُقاس بزمن وقوعها، بل بامتداد أثرها في الزمن، فكلما حملت في جوهرها صدق المبدأ وسمو الغاية، ازدادَ وَهْجُها في الوجدان الإنساني جيلاً بعد جيل، ومن هنا بقي الإمام الحسين
، في وجدان ملايين المسلمين، شاهدًا على أن القيم الخالدة لا تحفظها صفحات التاريخ وحدها، بل تحفظها القلوب التي تؤمن بأن الكرامة والحق يظلان حيَّين في الضمير الإنساني، مهما تعاقبت الأجيال.
ويأتي العشرون من صفر، لا ليُخبر القلب بما يعرفه، بل ليوقظ فيه وجعًا يتجدّد كل عام، كأن المصيبة لم تُغادر الذاكرة يومًا، وكأن هذا اليوم يعرف الطريق إلى الجراح القديمة، فيوقظها في هدوءٍ موجع، لا يملك القلب أمامه إلا أن ينحني أمام حضور الذكرى.
وهنا يقف الشعر شاهدًا على عمق الفاجعة:
قُم جَدِّدِ الحُزنَ في العشرينِ من صفرِ
ففيهِ رُدَّت رؤوسُ الآلِ للحُفَرِ
وفي كل مرة تُستعاد فيها كربلاء، لا يعود الألم لأن الزمن أعادها، بل لأن القيم التي قامت من أجلها ما زالت تختبر ضمائر البشر، فبعض المواقف لا تنتهي برحيل أصحابها، بل يبدأ أثرها الحقيقي بعد غيابهم، ولم تكن عظمة المأساة في عدد الأرواح التي ارتقت، وإنما في المبادئ التي بقيت حيّةً بعد أصحابها، حتى غدت كربلاء شاهدًا على أن القيم الصادقة أبقى من القوة، وأن الأثر العميق لا تصنعه كثرة السنين، بل صدق الموقف.
وحين عاد الركب، لم يكن العائدون يحملون أجساد أحبّتهم، بل كانوا يحملون أحزانهم؛ والأحزان أثقل من الجبال، وأيُّ مساءٍ كان ذلك الذي دخلت فيه السيدة زينب
المدينة وهي تعرف أن الطرقات التي كانت تفيض بعبير أخيها قد غمرها غيابه؟ وأيُّ صمتٍ كان يسكن قلب الإمام السجاد
، وهو يحمل من الأحزان ما لا تحتمله القلوب؟
ولهذا يستحضر المؤمنون ذكرى الإمام الحسين
في كل عام، لا باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل لأنها قيمةٌ حيّة، كلما تعاقبت الأعوام ازداد نورها، واتسع أثرها، وتعاظمت قدرتها على إيقاظ الضمير الإنساني.
ويبقى العشرون من صفر أكثر من محطةٍ في الذاكرة؛ إنه موعدٌ يتجدد فيه التأمل في معنى الوفاء للمبدأ، وفي قدرة الحقيقة على أن تَعبُرَ الزمن من غير أن تفقد وَهْجُها، فثمة رسالةٌ لا يطويها النسيان، لأنها لم تُولد لتكون أثرًا من الماضي، بل لتبقى معيارًا يُقاس به الضمير، وبوصلةً تهدي الإنسان كلما التبست عليه السبل، وتُحيي في النفوس القيم: الإيمان بالحق، والوفاء للمبدأ، والعدل، وصون الكرامة الإنسانية، والثبات على المبادئ، وحملها في القلب قبل أن تُرفع شعارًا، وهي القيم التي خلّدها الإمام الحسين، لتظل راسخةً في وجدان المؤمنين.













