آخر تحديث: 5 / 8 / 2026م - 10:12 م

الوجه الآخر للاستحقاق الوهمي

الدكتور عبد الله فيصل آل ربح * صحيفة الشرق الأوسط

حين يصطدم صاحب الاستحقاق المرتفع بالواقع الصلب، ولا يجد من المجتمع ذلك التقدير المتوهم الذي نشأ عليه، ينشأ داخل بنيته النفسية والاجتماعية اضطراب عميق. فهو لا يراجع ذاته، ولا يعيد تقييم أدواته أو العمل على تطوير قدراته، بل يهرب فوراً إلى تمثيل دور الضحية المستهدفة. تتحول النرجسية الفردية حينها من وهم التميز المطلق إلى سيكولوجية المظلومية التي تفسر كل إخفاق بعوامل خارجية قاهرة، تعفي الفرد من تحمل المسؤولية الشخصية وتضع اللوم كاملاً على الآخرين.

وهنا ينتقل الشخص تدريجياً من وهم الاستحقاق إلى حالة من توهّم الاضطهاد. يُقنع نفسه بأن عدم وصوله إلى المكاسب التي يتطلع إليها لا يعود لقصور في سعيه أو مهاراته، بل لكون العالم يترصد له لمنعه من البروز. هذا التفكير الرغائبي يجعله يفسر أي نقد موضوعي موجه إليه بوصفه استهدافاً شخصياً أو حسداً، ليبقى محتفظاً بالصورة المثالية التي رسمها لنفسه، من دون أن يدرك أن المجتمع يحكم في نهاية المطاف بالإنجاز الملموس لا بالادعاءات العريضة.

وتزداد هذه الظاهرة تعقيداً داخل أوساط الإناث والأقليات الاجتماعية، سواء كانت إثنية أو قبلية أو دينية؛ إذ تجد هذه الفئات نفسها أكثر عرضة للانزلاق نحو وهم الاستحقاق نتيجة توفر سرديات جاهزة ومستمرة توحي لها بكونها مستهدفة ومضطهدة من جهة، ومتميزة واستثنائية بذاتها من جهة أخرى. هذا التقاطع بين شعور التفوق الذاتي والمظلومية التاريخية يمنح الفرد داخل هذه المجموعات غطاءً مريحاً لتفسير أي تعثر فردي أو مؤسسي بوصفه امتداداً للتمييز أو الاستهداف الممنهج، مما يعطل محاولات النقد الذاتي والمراجعة الحقيقية لأسباب القصور.

كما تلعب المنصات الحديثة ووسائط التواصل دوراً مضاعفاً في تعميق هذه المتلازمة، حيث تضع الفرد في حالة مقارنة دائمة وشكلية مع صور مقتطعة لنجاحات الآخرين. وأمام هذه المقارنات، يزداد الشعور بالغبن؛ إذ يرى الفرد نفسه أجدر بهذه النعم أو تلك المناصب، متجاهلاً حجم الجهد والمسار الطويل الذي قطعه الآخرون للحصول عليها. وبدلاً من أن تكون هذه المقارنات حافزاً للعمل الجاد، تتحول إلى وقود يغذي مشاعر الاستياء واستمراء دور المظلوم.

إن الفرق جوهري بين الحزم في طلب الحقوق بشجاعة وموضوعية، والانزلاق في شرنقة متلازمة الضحية؛ فالأول يستند إلى استحقاق حقيقي مبني على الكفاءة والجهد والنتائج، بينما الثاني ليس سوى آلية دفاعية قاصرة يلوذ بها الفرد لتبرير العجز. ومأساة الغارق في دور الضحية أنه يحرم نفسه من فرص النمو والتطور؛ إذ إن من يعتقد دائماً أنه كامل وأن العيب في العالم حوله، لن يجد سبباً واحداً يدعوه للتغيير أو إصلاح المسار.

أستاذ علم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية بجامعة جراند فالي