الشيخية في القطيف
الشيخية في القطيف هو العنوان الأقرب للموضوع المتطرق له، والأشد اختصارًا، وليس بالضرورة الأدق على الإطلاق.
وقع في يدي كتاب ”المدرسة الحكمية الأحسائية وأعيانها في القطيف“ لمؤلفه الكاتب ياسر بن عبد الله آل خميس.
الكتاب يُعد مغامرة كبيرة، وجميلة لخوض نقاش في موضوع هام، من مواضيع المدرسة الشيعية، والتنافس أو لنقل الصراع في بعض الأحيان، بين مدرستين هامتين في المذهب الإمامي الجعفري الاثني عشري، وهو الصراع بين الأصول الشيخي، والأصول الأصولي، وهنا يحدد الكاتب جغرافية القطيف على وجه الدقة قائلًا: أعيان المدرسة الحكمية الأحسائية في القطيف.
ما جذبني إلى هذا الكتاب هو هذه المبادرة ومناقشتها لموضوع شائك في حياتنا الاجتماعية الشيعية.
من المهم جدًا أن نقول ونحن نستعرض هذه التجربة الكتابية للكاتب باختصار؛ يقول الكاتب: إنّه حاول جاهدًا إبراز أصداء المدرسة الحكمية الأحسائية في القطيف وإبراز بعض رجالاتها في القطيف، وذلك استجابة وامتثالًا لدعوة كريمة، كان قد تلقاها من لدن سماحة المولى الميرزا عبد الله الإحقاقي حفظه المولى تعالى ”حسب تعبيره“ للمشاركة في مؤتمر الشيخ الأوحد الثاني المقام بدولة الكويت المحروسة في شهر ذي القعدة من العام 1435 هجرية. [1]
وهنا نضع بين يدي القارئ الكريم بعض الكلمات المناسبة لهذا الموضوع.
1/ إنّ جميع الفرق في المدارس الشيعية كبقية المدارس والفرق الإسلامية تدّعي أو تزعم أنّ تصنيفها، أو تسميتها لم تكن نابعة من قراراتها، ولكن تماشيًا مع الشهرة أصبحت تتعامل بمسمياتها.
فالمدرسة الأخبارية تقول إنّ تسميتها بالأخبارية كان نبزًا وظلمًا من المنافسين، أو المناوئين لهذا المنهج، ويقصد منه توهين هذه المدرسة ومحاولة الإيهام بسطحيتها وضحالتها. وإلا فإن حقيقة هذه المدرسة، هو حديث عن الإسلام الأصيل المنزه من كل دخيل. ”حسب تعبير المصدر“. [2]
والمدرسة الشيخية تزعم أنّ هذا المسمى، جاء به المناوئون لهذه المدرسة لمحاولة عزلها عن التشيع، وجاء هذا المسمى في زمن السيد كاظم الرشتي، واعتبرها نبزًا، وسار على نهجه تلميذه الشيخ جوهر، ولم يقبلوا به.
وذكر الميرزا حسن الإحقاقي ”متطرقًا لهذا الموضوع“: والشيخية لقب أحدثه الأشرار المنكرون لفضائل أهل بيت العصمة والطهارة
، ويتنابزون بألقاب مخالفة لأمر الله تعالى.
وقد تشتكي الأصولية من تنمر المدرسة الأخبارية عليها واتهامها بمخالفة تعاليم أهل البيت
.
2/ لقد جرت في الماضي أحداث، ونقاشات، بين هذه المدارس، لكن كل جهة تصفها بطريقتها، تنتصر فيها لفريقها، أو لجماعتها، وتتهم الطرف الآخر بالاعتداء ونحن، وإن قرأنا، أو سمعنا عن هذه الأحداث، فلا ندعي الجزم بدقتها وصحتها، مع اعتقادي أنّ الزمن كفيل بتغيير مواقف، وتبديل تصرفات أمام أجيال متجددة دائمًا وشبابية دائمًا.
3/ إنّ تطبيق جماعة ”أو مجموعة من الناس“ سلوكًا معينًا، ليس بالضرورة سيكون مطابقًا لما سيطبقه جيل آخر يعقبه. كما أنّ التطبيق لهذه المدرسة في مجتمع معين، يختلف عنه في مجتمع آخر، ذلك أنّ التطبيق ليس صورة منقولة من جيل إلى جيل آخر، أو من مجتمع إلى مجتمع آخر؛ فجميع عادات وتقاليد المجتمع تتداخل في إخراج هذا التطبيق بصورة معينة.
فالشيخية نفسها اختلفت صورتها من زمن الشيخ أحمد الأحسائي المؤسس، عن تطبيقها في وقت الشيخ كاظم الرشتي الحسيني، والشيخ جوهر، وعن زمان الكرمانيين والإحقاقيين، والتطبيقات في بلد مثل إيران، تختلف عن تطبيقها في العراق، وتختلف عن تطبيقها في الأحساء، وهكذا يختلف التطبيق بين الأحساء والقطيف مع وجودهم في مناطق متقاربة، وملاصقة لها.
4/ بعيدًا عن موقفي، وموقف المؤلف من المدرسة، إلا أنني أنظر بإيجابية كبيرة لخطوة الكاتب ياسر الخميس، في القيام بهذا الجهد، وأعتبره من الأعمال الإيجابية والإبداعية في دراسة واقع المدرسة الشيخية، والمدارس الأخرى، في الوقت نفسه أنظر بإيجابية إلى قراءة هذا العمل، وأقدر بطريقة إيجابية وعلمية وهي خطوة لها تقديرها عندي كتقديري للعمل الكتابي نفسه.
قبل الولوج في مصطلحات هذه المدرسة، نود أن نسلط الضوء على تقسيمات الدراسة الصادرة في طيّات كتاب.
الكتاب يقع في 185 صفحة، من القطع الوسط، وقد قسم الكاتب كتابه إلى بابين رئيسيين هما: الأول: حول المدرسة الحكمية الأحسائية في 74 صفحة.
وتحت هذا الباب، كان هناك فصلان:
الفصل الأول عن ماهية المدرسة الحكمية الأحسائية.
الفصل الثاني الإشكالات على المدرسة الحكمية الأحسائية.
الباب الثاني صدى المدرسة الحكمية الأحسائية في القطيف 105 صفحات.
وتحت هذا الباب وردت أربعة فصول بالعناوين التالية:
1/ المناخ العلمي في القطيف.
2/ توجه الحكمة الأحسائية بالقطيف.
3/ الخلاف في القطيف.
4/ مرجعية المدرسة الأحسائية بعد وفاة السيد الرشتي.
ننظر بعين الرضا والتقدير، للجهد الذي قام به الكاتب ياسر الخميس، لأن العبور في دهاليز هذه المدرسة، وتتبعها مليءٌ بالمطبات والألغام، بالنظر إلى طول المدة، وكثرة المسميات، بعضها صحيحة، والبعض الآخر اتهامات.
فهناك من رأى نجاسة أتباع المدرسة الشيخية، وبعضهم حكم بكفرهم، إضافة إلى المآل والطريق الذي سلكه بعض مريديها، عندما سلكوا طريق البهائية والبابية. وقد كانوا أتباعًا في مدرسة الحكمة الأحسائية بين قوسين ”الشيخية“ وأشهرهم شخص يدعى علي محمد الشيرازي، وهو أحد طلاب السيد كاظم الرشتي ادعى أنّه باب الله، وأسس مذهب البابية، ثم ادعى النبوة، وتحول إلى البهائية، وكذلك الميرزا علي آل البرغاني، وتبعته ابنة أخيه التي كان اسمها ”زرين تاج“ وهو اسم فارسي بمعنى التاج الذهبي، واشتهرت فيما بعد باسمها المعرب ”قرة العين“، إضافة إلى خلق كثير.
الأمر الذي انعكس عليّ ذاتيًا، إذ تطلب مني العمل على مراجعة هذا العمل الجميل، قراءة دراسية متأنية أولًا.. كالرجوع إلى مصادر هذه الدراسة، والرجوع إلى بعض المصادر التي كتبت عن هذه المدرسة، وربما كلفني هذا الأمر مراجعة صفحات طويلة في سير بعض شخصيات هذه المدرسة، ومنحنيات حياتها. [3]
منها على سبيل المثال الصفحات التي أفردها الدكتور علي الوردي عن هذه المدرسة بالتركيز على قصة قرة العين التي كانت من مريدي السيد كاظم الرشتي والعداوة التي نشأت مع الملا محمد البرغاني الذي هو عمها ووالد زوجها والذي كان يشن حملات متواصلة ضد الشيخ أحمد الأحسائي يلعنهم ويطعن فيهم ويكفرهم خصوصًا بعد أن تحولت قرة العين إلى البابية والبهائية [4]
إنّ أول مبحث يتفضل به الكاتب ياسر الخميس هو تسميات مدرسة الحكمة الأحسائية، ونحن عندما نقدم تسميات المدرسة لا نقصد منها التوهين من أحد، وذلك لحساسية الموقف، ولتحميل المسميات معانيَ قد لا تكون مريحة للطرف المسمى، وبعض هذه المسميات قد ارتبطت بعلماء هذه المدرسة، ولنذهب إلى التفصيل المختصر في هذا الشأن.
الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي، يرجع إليه بداية المدرسة الفكرية الشيخية، وزعيمها، ولد عام ”1166 ه“ ”1753 م“ وتوفي في العام ”1242 ه“ ”1825 م“ وأطلق عليه، وعلى أصحابه كلمة الشيخية.
يقول الكاتب ياسر الخميس نقلًا عن بعض المصادر المرتبطة بالمدرسة: وقد عرفت المدرسة الأحسائية باسم ”الشيخية“ في زمان السيد كاظم الرشتي، واعتبره نبزًا، وسار على نهجه تلميذه الشيخ كوهر وأتباعه، فلم يقبلوا به، وقال الميرزا حسن الإحقاقي: والشيخية لقب أحدثه الأشرار المنكرون لفضائل أهل بيت العصمة والطهارة
، ويتنابزون بألقاب مخالفة لأمر الله تعالى. [5] إلا أن الشيخ محمد أبي خمسين الأحسائي قد قبل به قائلًا: بأنّ مذهبهم الفكري ”سنام مذهب الاثني عشرية“ كما قبل به الكرمانيون، وكتب مرجعهم في البصرة المرحوم السيد عبد الله الموسوي رسالة في ”شرح أحوال علماء الشيخية في البصرة“. [6]
وهنا مصطلحان انتشرا في ذلك الوقت، كما يقرر بذلك الذين تطرقوا إلى هذا الأمر؛ يقول الدكتور علي الوردي: كان أهل قزوين في ذلك الحين كأهل كربلاء منقسمين إلى فريقين متنازعين ”بشت سري“ ”وبالا سري“ أي شيخيين وخصوم الشيخيين، وهو الأمر الذي نريد أن نوضحه هنا: من أن مصطلح ”بشت سري“ تعني: الشيخية، وهي واحدة من صفاتهم، أنهم يقيمون جماعتهم خلف الرأس، ولا يجوزون لأتباعهم الصلاة أمام الرأس الشريف ”والمقصود بالرأس، هو موقع رأس الإمام الحسين
“، وبشكل عام لا يجوزون التقدم على أي مقام من مقامات أهل البيت
، والصلاة أمامهم، وإعطاء ظهرك للمقام. [7]
بينما المناوئون للشيخية والتي يطلق عليهم ”باله سري“ يجّوزون الصلاة أمام الرأس، أو فوق الرأس على عكس ما ذهب إليه الكاتب حيث فسّر مصطلح ”بالاسري“ على أنه خلف المقام ”خلف الرأس“ كما فسر ”بشت سري“ بأنها أعلى المكان ”فوق الرأس“، والحقيقة أن كلمة ”بشت“ تعني خلف و”بالا“ تعني أعلى، ربما يكون هذا الخطأ البسيط عائدًا إلى العجلة وعدم الإلمام باللغة الفارسية، ولو بشكل بسيط.
الفرق الشيعية وكذلك الشخصيات والأفراد إذا كانت تراعي الحد المعقول من التدين والالتزام بمنهج الرسول ﷺ وأهل بيته، لا ينبغي استخدام العنف والطرد واستصدار الفتاوى الطاردة والمكفرة، والتي تتصاعد وتصل في بعض الأحيان إلى وقوع أضرار بشكل مباشر على الشخص نفسه، أو على أسرته، وكذلك عندما نبعد فرقة من الفرق لسبب أو آخر، الأمر الذي يُفقد الصف الشيعي الكثير من مريدي هذه المدرسة المباشرين، وبعدها قد ينتقل إلى الأجيال التي تعقبهم.
نقول إنّ المدرسة الفكرية من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي، والمعروفة في التاريخ والحاضر بأتباع المدرسة الشيخية، من المفترض مناقشة أفكارهم ونقدها، دون مقاطعتها، وتكفيرها، واستصدار الفتاوى ضدها وعدم الصلاة خلفهم، إنّ قسمًا من أتباع هذه المدرسة تحولوا إلى البابية والبهائية والتي كانت منفذًا مهمًا لبعض المستعمرين، وهي من لقاء الذين أبصروا نقاط الضعف والقوة في المذهب الجعفري وحاولوا استغلالها. وسنستخدم أسلوب الحوار والمناقشة هذا قليلًا لإرجاع بعض المصطلحات إلى أصلها وطرح ما عليها من إشكال خصوصًا، إذا ورد من بعض الأعلام دون استصدار حكم معين عليها.
وهنا يُطرح السؤال التالي:
يقول الشيخ جعفر السبحاني: الشيخية هم طائفة من الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولقّبوا بهذا الاسم نسبة إلى شيخهم ومعلمهم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، وهم لا يختلفون في أُصول الدين وأُمهات المسائل الشرعية عن سائر الشيعة الإمامية، وليسوا أخباريين كما ربما يتوهّم. لهم بعض الآراء والمعتقدات الخاصّة. [8]
وهم اليوم موجودون في إيران، والعراق، والكويت، والأحساء، وينقسمون إلى فرقتين: ”الركنية“ و”الكشفية“، ولكلّ فرقة آراؤها الخاصّة.
ومبدأ نشوء هذه الطائفة هو بعد بروز الشيخ أحمد الأحسائي في مطلع القرن الثالث عشر الهجري كعالم أوحد متميز له بعض النظريات، والأفكار الجديدة في علم الفلسفة والعقائد الإسلامية، وحيث كان الشيخ ذا عبقرية فذة وعرف منه الزهد والإغراق في العبادة، هذا بالإضافة إلى مقامه العلمي الشامخ، لذا كان ذا جاذبية قوية ومؤثرة أدّت إلى وجود تيار جارف من الموالين والأنصار له، ومعظم أنصاره من إيران، وبعضهم من العراق ودول الخليج، وهؤلاء كانوا النواة والقاعدة الّتي تحوّلت فيما بعد إلى طائفة مستقلة تسمّى بـ ”الشيخية“.
تتلمذ عليه وروى عنه جمع، منهم: أبناء محمد تقي، وعلي نقي، والسيد كاظم بن قاسم الرشتي وهو أشهر تلامذته وعميد طريقته، ومحمد باقر بن حسن النجفي صاحب الجواهر، وأسد الله بن إسماعيل التستري صاحب المقابس، ومحمد إبراهيم بن محمد حسن الكلباسي، والميرزا علي محمد الشيرازي الملقب بالباب، وحسين بن مؤمن اليزدي الكرماني، وغيرهم.
وصنف كتبًا ورسائل جمّة، منها: الرسالة الحيدرية في الفروع الفقهية، الرسالة الصومية، شرح ”تبصرة المتعلمين في أحكام الدين“ للعلاّمة الحلّي لم يتم، أحكام الكفّار بأقسامهم قبل الإسلام وبعده وأحكام فرق الإسلام، شرح مبحث حكم ذي الرأسين من ”كشف الغطاء“ ذكر فيه أحكامه من أوّل الطهارة إلى الديات، المسائل القطيفية، تحقيق القول بالاجتهاد والتقليد، وديوان شعر، وغير ذلك كثير.
ولعلّ أهم ما نسب إلى الشيخ من مؤاخذات هو الأُمور التالية:
1- إنكاره المعاد الجسماني ودعوى أنّ هذا الجسم المادي لا يمكن أن يعود بكلّ ما فيه من كثافة وكدورة.
2- إنكاره المعراج الجسماني، أي أنّ النبي ﷺ لم يعرج إلى السماء بجسمه المادّي بكل ما فيه.
3- إنكاره شق القمر المرئي الحقيقي معجزة النبي ﷺ المتّفق عليها بين المسلمين، ودعوى أنّ الّذي انشق إنّما هو صورة القمر المنتزعة منه.
4- الغلو في شأن أهل البيت
وإعطاؤهم بعض المقامات الّتي لا تصحّ إلاّ لله تعالى، مثل القول بأنّ الله تعالى فوض كلّ ما في الكون إليهم من الخلق والرزق والحياة والممات وما إلى ذلك، والقول بأنّ علمهم حضوريٌّ وليس حصوليًّا يعني أنّهم يعلمون بكلّ ما كان وجميع ما يأتي على نحو يكون ذلك كلّه حاضرًا في ذهنهم وذاكرتهم في كلّ حين كما يرون العين.
لم يكن في بادئ الأمر شيء باسم الشيخية، ولا كان في نيّة الشيخ تأسيس فرقة جديدة أو الدعوة إلى مذهب جديد، ولكن المواجهة الحادة والجدال الّذي بلغ أوجه بين الشيخ ومعارضيه، واستمر بعد وفاته بين أنصاره ومخالفيهم أدى إلى تحيّز جمع من العلماء وطائفة من الناس إلى جانب الشيخ وتحمسهم في الدفاع عنه والدعوة إليه، ثم تحول هؤلاء بشكل تدريجي إلى جماعة مستقلة منسوبة إلى الشيخ تتبنّى أفكاره وتنشر كتبه وتدعو إلى خطه، وعرفوا حينها باسم الشيخية.
وقد اتّسعت رقعة الشيخية بعد وفاة الشيخ وازداد أتباعها ومؤيّدوها، وكان الزعيم الأكبر لهم بعد الشيخ خليفته السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي، الذي تعود أصوله إلى المدينة المنورة، بعد أن هاجر جده السيد أحمد وتزوج هناك، وقد كان والده السيد قاسم هو الذي تعرّف على الشيخ أحمد زين الدين في مدينة يزد، لكنهم استوطنوا كربلاء، وأصبح الابن من أهم زعماء الشيخية، وقد اتخذ مدينة كربلاء المقدسة مقرًا لزعامته حتّى توفّي فيها سنة 1259 هـ.
وكانت الشيخية في حياة السيد متفقة على زعامته ومرجعيته ولكن بعد وفاته انقسمت إلى فرقتين، فرقة تبعت الحاج محمد كريم خان الكرماني المتوفّى سنة 1288 هـ وعرفوا فيما بعد بالركنية، وفرقة تبعت الميرزا حسن گوهر الحائري ثم آل الإسكوئي من بعده فعرفوا بالكشفية.
أمّا الركنية فتتلخص عقيدتهم في التالي: يعتقدون أنّ الدين قائم على أربعة أركان:
”معرفة الله، معرفة الرسول، معرفة الإمام، معرفة الفقيه الجامع للشرائط الذي يقوم مقام الإمام في زمن الغيبة“. وتجسد الركن الرابع في الشيخ أحمد الأحسائي في حياته، ثم في السيد كاظم الرشتي، ثم في الحاج كريم خان نفسه ولهذا سميت هذه الطائفة بالركنية.
قال صاحب الذريعة: ولمّا شدّد عليهم الأصحاب النكير، بعدم ”الذهاب“ لما يسمّى الركن الرابع في الإسلام، ألّف محمد كريم خان الكرماني رسالة عام 1279 هـ، أثبت فيها أنّ الركن الرابع هم رواة الأئمة، والعلماء جميعًا ولا تختص الركنية بشخص معين.
ومن الناحية العملية أصبح الركن الرابع منصبًا تتوارثه سلالة الكرماني حتّى اليوم، باعتبارهم المصداق الحقيقي لهذا الركن. [9]
وكان مقر زعامتهم مدينة كرمان بإيران، حيث يتواجد أحفاد الكرماني والأكثرية من أتباعه، ولما قتل مرشدهم عام 1400 هـ، انتقل مقر الزعامة إلى مدينة البصرة بالعراق أهم معقل لهم بعد كرمان، ولا زال زعيمهم الحالي في مدينة البصرة حتّى اليوم، والركنية أكثر أتباعًا من منافسيهم الكشفية، ويتمركز وجودهم في مدينة كرمان بإيران، ثم مدينة البصرة، ويوجد قليل منهم في الكويت وبعض مناطق إيران الأُخرى.
ويمكن التعرف على أفكارهم من خلال كتبهم، مثل ”رجوم الشياطين“ و”كشف المراد في علم المعاد“ و”هداية الأطفال“ و”هداية الصبيان“ و”إرشاد العوام“ و”الفطرة السليمة“ و”الفلسفية“ للشيخ أبي القاسم الكرماني. [10]
أمّا الطائفة الكشفية فيعتقدون أنّ الشيعة ينقسمون إلى قسمين: كاملي العقيدة، وناقصي العقيدة. والمعني بكاملي العقيدة هم الكشفية أنفسهم ومن يعتقد بعقيدتهم في أهل البيت
؛ وأمّا ناقصو العقيدة فهم معظم الشيعة الإمامية. وتتلخص عقيدتهم في أهل البيت
بأمرين:
الأوّل: الاعتقاد أنّ علم الإمام حضوري وليس حصوليًّا، يعني أن يعلم بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة بإرادة الله تعالى، بحيث تكون جميع هذه المعلومات حاضرة في ذهنه دائمًا كمن يشاهد بالعيان.
الثاني: الاعتقاد بأنّ دم الإمام وجميع فضلاته طاهرة.
وعلى أساس هذا التقسيم للشيعة أصدر علماء الكشفية أحكامًا فقهية خاصّة منها:
أنّه لا يجوز لمن كان كامل العقيدة أنّ يقلّد مرجعًا ناقص العقيدة أو يصلّي خلف إمام ناقص العقيدة، أي من كان يعتقد بطهارة دم الإمام وأنّ علمه حضوري لا يجوز له أن يقلّد أو يصلّي خلف من لا يرى ذلك، فكمال العقيدة بهذا المعنى شرط في مرجع التقليد وإمام الجماعة. [11]
ويعتقد أنّ تسميتهم بالكشفية لادّعاء علمائهم أنّ خفايا بعض الأُمور تُكشف إليهم ببركات الأئمة المعصومين
.
ويتواجد الكشفية اليوم بشكل رئيسي في الكويت وهناك مقر زعامتهم، كما يتواجد بعضهم في مدينة الهُفوف وبعض القرى بالأحساء ولهم أيضًا بعض الأتباع في تبريز بإيران وبعض المدن الجنوبية بالعراق.
ولي تعليق بسيط على النقاش الذي أورده المؤلف بعنوان ”دور المكاشفة في نظريات الشيخ الأحسائي“ وكتب كلامًا كثيرًا يخلص إلى القول إن الميرزا محمد التنكابني صاحب كتاب قصص العلماء ”وهو من الذين يكفرون الشيخ الأحسائي“ وأستاذه الشيخ محمد تقي البرغاني ”المعروف بالشهيد الثالث“ هو أن الشيخ محمد تقي البرغاني كان يمنع من الغناء في المراثي وإنشاد مصائب الأئمة
إلى أن رأى في إحدى ليالي القدر رسول الله ﷺ قائلًا: أيها الشيخ لا تمنع من الغناء في مراثي ولدي الحسين، فليقرؤوا كما يشاؤون [12] .
ولدي تعليقان:
1/ موضوع من هذا النوع ينبغي التوقف عنده مليًا كون الكلام يتضمن تحليل حرام، خصوصًا وأن الكلام منقول من كتاب مطبوع باللغة العربية، لكن أصل التأليف كان باللغة الفارسية، فهل يعقل أن يحلل مرجع أو عالم الغناء بالمطلق؟ وإليك ما وجدته:
يقول المؤلف: التمثيل من مخترعات الصفوية فلما ظهر مذهب التشيع في بلاد إيران وحكم الصفويون أمروا الذاكرين بإنشاد مصيبة سيد الشهداء
لكن الناس لم تكن تبكي لأن المذهب لم يترسخ بعد في نفوسهم فاخترعوا التمثيل لعل الناس تتألم من مشاهدة مصائب سيد الشهداء ويرق قلبهم وسمي هذا العمل بالتعبئة وهي بمعنى الاختراع أيضًا. الكلمة بالفارسية [13]
2/ كون كتاب قصص العلماء المذكور، والذي اعتمدت عليه بشكل رئيسي، وكونت فكرة لدى القارئ بأن كلًا من الميرزا التنكابني، وأستاذه الشيخ محمد البرغاني ”الشهيد الثالث“ قد أقرا بمبدأ الغناء والتمثيل في مصيبة الإمام الحسين
.
والحال مختلف تمامًا.. لو أنك أكملت قراءة الشرح الذي أورده المؤلف:
يقول المؤلف: هذه التعبئة لم تكن موجودة في الأزمنة السابقة بالاتفاق والعلماء مختلفون في جوازها والأكثر على التحريم ومن جملة القائلين بالحرمة قطب الفقاهة والجلالة والنباهة والفطانة والذكاء، الشيخ جعفر النجفي وتوقف فيها جمع كثير مثل حجة الإسلام في كتاب أسئلة وأجوبة وبعضهم توقف عن الإفتاء والمضمون أن المتوقفين هم بحسب الدليل مانعون لكن في مقام الفتوى لم يتجرأ ”أحد“ على التصرف في أمر مصيبة الإمام الحسين
، كما سمعنا بذلك عن بعض المتوقفين، والنادر من الفقهاء رضوان الله عليهم من جوز ذلك بل يمكن حمل القول بالجواز على الشذوذ. [14]
ولا يكتفي بذلك بل يذكر أنه ناقش وفند من يقول بجواز التعبئة فورد في قصص العلماء: "
هذا وقد أجاز الملا آغا الدربندي التعبئة في كتاب إكسير العبادات وأسرار الشهادات وأقام عليه الأدلة وقد ناقشت أدلة ذلك الفاضل الجليل النبيل بوجه جميل مع خامتي الكليلة وبياني الضئيل في كتاب الإكليل وهدمت بنيانه وانثلمت أركانه فمن أراد التفصيل فليراجع ما ذكر هناك [15]
كما أنك ذكرت عن الشيخ محمد التنكابني أنه قد قال باب العلم منسد بينما الصحيح أن الكلام باب العلم مفسد، والفارق بين الكلمتين كبير [16] ، ومع ذلك يمكن تبرير ذلك بالخطأ في الصف أو التدقيق.
والأعظم مما سبق جميعه الكلام الذي أورده التنكابني بقوله:
أما حكاية المنام فإن حصل للرائي القطع بحكم الله الواقعي، فلا كلام لنا معه، وإلا فالمنام ليس من الأدلة إجماعًا [17]
تحت عنوان المناخ العلمي في القطيف دخل المؤلف في شرح التيارات العلمية في ذلك الوقت شرح كثيرًا عن التيارات في منطقة القطيف، وأشعر أن المؤلف هنا أضاع البوصلة ودخل في عدة مواضيع مبتعدًا عن الموضوع الرئيس، ربما كان ينقصه الربط القوي مع الموضوع الأساسي، وسارت الصفحات ”من ص 79 إلى ص 100“ بعيدة عن أهداف الدراسة... هذا من وجهة نظري القاصرة.
لكنه في الأخير أسماء ومعلومات جميلة، ومفيدة عن علماء القطيف وصلتهم بالمدرسة الشيخية، مع ملاحظة عدم العناية والاجتهاد بإيراد معلومات ميلادهم، ووفاتهم، ربما لم يكن ذلك منصبًا على الكاتب، بقدر ما هو نقص عام في رصد حركة العلماء وتفاصيل حياتهم.
ولأني أحاول ألا أطيل على القارئ الكريم ”مع عدم إخفاء سعادتي، واستمتاعي بهذا الجهد القيم الذي قام به الكاتب ياسر الخميس“ من هذا المنطلق صممت جدولًا يختصر الإطالة في الكلام يمكن تسميته الوجود الشيخي في منطقة القطيف من العام 1200 هـ إلى العام 1400 هـ، مقسمًا الفترات على عشرين عامًا لكل فترة زمنية.
تبريري للبداية من العام 1200 هـ هو أن يكون مضى على ميلاد المؤسس ما يقرب من 40 عامًا، أما فترة العشرين عامًا، فهي فترة مناسبة لحساب فترة، أو جيل من الأجيال. وجدت هذا ممتعًا ومرآةً تسلط الضوء على مدى الوجود الشيخي في القطيف على مدى الفترات المرصودة.
ويتضح حسب الجهد الذي بذله الكاتب ياسر الخميس، وضمن هذا التقسيم يتضح لنا التالي:
1/ إنّ أعلى نسبة للوجود العلمائي الشيخي في القطيف هي الفترة ما بين 1240 هـ إلى 1260 هـ، حيث كان هناك خمسة علماء من المدرسة الشيخية.
2/ وأن أضعف وجود علمائي شيخي في القطيف كان في الفترة الممتدة من 1280 هـ إلى 1300 هـ حيث كان الوجود العلمائي في أضعف حالاته يتمثل في وجود عالم واحد حسب الرصد الموجود.
3/ وأن حالة الوسط تمثلت في الفترة الممتدة من 1220 هـ إلى 1230 هـ، وكذلك من الفترة 1200 هـ إلى 1220 هـ حيث كان يوجد في كل 20 عامًا، عدد 3 علماء.














