آخر تحديث: 6 / 8 / 2026م - 9:49 م

حين اطمأنت النفس «13»

الذكر والاستغفار هوية الروح

إن السيرة العملية للإمام السجاد وما كان عليه من أعلى درجات الذكر والتسبيح والتمجيد لله تعالى، كاشفة عن مقامه العالي، كما أنها تمثل المنهجية الأخلاقية والروحية التي يقتدي بها من أراد تهذيب نفسه من الأهواء والانفعالات الشططية التي تقوده نحو حياة الجحيم، فمدرسة الدعاء وذكر الله تعالى لا تتعلق بمجرد الذكر اللساني، بل هي حضور الله تعالى في القلب، واستشعار عظمته مع كل ما يصدر من الإنسان من أقوال وأفعال. فالضمير اليقظ هو الذي يقود حركته، فيسلطه على كل خطوة يريد الإقدام عليها أو الإحجام عنها، وهذا ما يرفع شأن الإنسان المتصف بالاستقامة والخوف من الله تعالى، فيفيض الاطمئنان واليقين في قلبه بأن الله تعالى هو المهيمن على الكون وما فيه، والمدبر لشؤونه.

وبذلك تتميز شخصية الإنسان الذاكر لله تعالى، الملازم لقراءة الأدعية والمتأمل في معانيها، حيث يكون إيقاع خطواته موزونا برضا المعبود وطلب القرب منه عز وجل.

وفي مشهد آخر قريب منه، نجد معلمًا ومفهومًا آخر في المنهجية الروحية والأخلاقية للإمام السجاد ، وهو الاستغفار. ويجري في توضيحه ودفع اللبس والاشتباه عنه كما جرى في مفهوم الذكر؛ فالاستغفار درس تربوي عميق لا يتعلق بمجرد الذكر اللساني، بل هو طريق لمد القلب بمشاعر اليقظة والإدراك والاتزان في أخذ زمام الأمر والقرار، بناء على رضا الله تعالى، وطلب العفو والتجاوز عما صدر من الإنسان من خطايا وآثام، فالاستغفار أدب العبودية، وعلامة المعرفة الحقة بمقام العظمة الإلهية؛ فكلما ازداد العبد معرفة بجلال الله تعالى، ازداد شعورا بتقصيره أمام كماله، فتزداد عنده المناعة والقوة في مواجهة التزيين الشيطاني، وأهواء النفس، والرذائل الأخلاقية. وهذا ما ينقل المستغفر إلى موطن الطمأنينة، حيث يرى أن رحمة الله تعالى هي ملاذه الدائم، فيغدو القلب حيًا بالله تعالى، لا يحيا إلا به، ولا يطمئن إلا في ظلال قربه، بما ينعكس على سيرته وتعامله على أرض الواقع، حيث يحضر ذكر الله تعالى واستغفاره سندا ومناعة في وجه السقوط في هاوية الخطايا والأفعال المشينة.

كما تجلت في المنهجية الأخلاقية والتربوية للإمام السجاد قيمة الرحمة وحسن التعامل مع الآخرين، فروح التواضع، وتجنب التكلف، ثمرة من ثمار المعرفة العميقة بالله تعالى والعبودية الحقة. لذلك ينظر إلى الآخرين بعين اللطف والإحسان، وصنع المعروف، والتسامح؛ لأن الدنيا في نظره زائلة، والحياة الأبدية هي حياة الآخرة. كما أن العفو عن المسيء من أقصر الطرق إلى نيل عفو الله تعالى وغفرانه، وهذا ما يتجلى في القلب المطمئن، المتنزه عن الكراهية والأحقاد والحسد.

وهكذا يعلمنا الإمام أن الرحمة الحقيقية تبدأ من معرفة الله تعالى، والتخلق بأسمائه وصفاته عز وجل؛ فكلما ازداد القلب قربا من ربه، ازداد رقة بالناس، وتعاطفًا مع آلامهم ومصائبهم، وإذ يتخلى الإنسان عن الأنانية وشح النفس، يمد لهم يد العون والمواساة بما استطاع، ويصبح وجوده مصدر أمن وسكينة لمن حوله، بما يسمعونه منه من الكلمة الصادقة، وما يجدونه لديه من العون العملي، حتى تتحول الأخلاق إلى تجلٍّ عملي لأسماء الله الحسنى في حياة الإنسان.