آخر تحديث: 6 / 8 / 2026م - 9:49 م

بين وفرة الوصول وندرة الحضور

فوزي آل غريب *

قبل سنوات، كان الإنسان إذا أراد أن يبتعد عن الضوضاء أغلق نافذته، أو قصد مكانًا هادئًا، أو سار في طريق تقل فيه الحركة، أما اليوم، فقد أصبح الضجيج يسكن الجيب، ويستيقظ معنا، ويرافقنا أينما ذهبنا، إنه لا يأتي من السيارات ولا من الأسواق، بل من شاشة صغيرة لا يتجاوز حجمها كف اليد.

المفارقة أن التقنية صُممت لتمنح الإنسان وقتًا أكبر، لكنها في كثير من الأحيان جعلته يشعر بأن الوقت يفر منه، نستيقظ على إشعار، وننام على آخر، وما بينهما سلسلة طويلة من الرسائل والمقاطع والعناوين العاجلة التي لا تنتهي، لسنا مضطرين إلى متابعة كل شيء، لكننا نفعل ذلك وكأننا نخشى أن يفوتنا حدث سيغيّر العالم.

ليس المقصود من هذا الحديث إدانة التقنية، فهي من أعظم منجزات العصر، وقد يسّرت العلم والعمل والتواصل على نحو لم تعرفه البشرية من قبل، غير أن كل نعمة تفقد شيئًا من قيمتها عندما تتحول إلى عادة لا نراجعها، أو إلى حضور دائم لا نملك القدرة على الابتعاد عنه.

أتساءل أحيانًا: متى كانت آخر مرة جلس فيها أحدنا نصف ساعة كاملة دون أن تمتد يده إلى هاتفه؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف مقدار التغيير الذي أصاب علاقتنا بالوقت، لقد أصبح الفراغ شيئًا نخشاه، بينما كان في أزمنة سابقة مساحة تنضج فيها الأفكار، وتستريح فيها النفس، ويعيد الإنسان ترتيب ما يختلج داخله.

الهدوء ليس غياب الأصوات، وإنما حضور العقل، وقد يعيش المرء في مكان يعج بالحركة ويحتفظ بصفائه، كما قد يجلس في غرفة صامتة بينما رأسه يموج بعشرات الأصوات المتداخلة، لهذا فإن معركة الإنسان المعاصر ليست مع الضوضاء الخارجية بقدر ما هي مع الضجيج الذي تراكم في داخله.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن سرعة تداول المعلومات لم تجعل الحوار أكثر عمقًا، على العكس، أصبح كثير من النقاشات يُحسم قبل أن يبدأ، لأن الجميع يريد أن يتحدث، وقليلون من يمنحون أنفسهم فرصة الإصغاء، ومع كثرة الآراء، تراجعت مساحة التأمل، وكأن سرعة الوصول إلى المعلومة أغنت عن التفكير فيها.

لسنا بحاجة إلى إعلان الحرب على الهواتف، ولا إلى الانسحاب من العالم الرقمي، ما نحتاجه هو أن نستعيد حقنا في الاختيار؛ أن نستخدم التقنية عندما نريد، لا أن تفرض هي إيقاع يومنا، أن يكون للهاتف مكانه، وللكتاب مكانه، ولجلسة الأسرة مكانها، وللحظة الصمت قيمتها التي لا تُقاس بعدد المشاهدات ولا بحجم التفاعل.

المجتمعات لا تتقدم بكثرة الأصوات وحدها، وإنما بجودة الأفكار، والأفكار الجيدة لا تولد في العجلة، بل تحتاج إلى زمن تتخمر فيه، وإلى عقل لا تلاحقه الإشعارات كل دقيقة، لذلك فإن الهدوء ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة للحفاظ على القدرة على التفكير، وهي القدرة التي تميّز الإنسان عن مجرد المتلقي للأحداث.

ربما لن نستطيع إيقاف الضجيج الرقمي، فهو جزء من زمننا، لكننا نستطيع أن نختار مقدار ما نسمح له بالدخول إلى حياتنا، وحين ندرك أن الصمت ليس فراغًا، بل مساحة يمارس فيها العقل حريته، سنكتشف أن الهدوء لم يكن يومًا انسحابًا من الحياة، بل كان إحدى أكثر الطرق حكمةً للعودة إليها.