جدلية الإنفاق وأولويات البذل
يتردد في نفوس البعض حوار صامت، مشوبٌ بالحرج تارة، وبالرغبة في الإصلاح تارة أخرى. حوار يعز على الكثيرين البوح به، لكنه يطفو على السطح كلما تجدد النقاش حول موارد الصرف وأولويات البذل. إنه حوار قد تنقسم فيه الرؤى وتختلف الزوايا، لكنه في عمقه ينبع من رغبة إيمانية حقيقية تبحث عن رضا الرحمن، وتتوق إلى ثواب الآخرة، وترنو إلى ترك أثر ممتد وأجر لا ينقطع في حياة الناس.
تنطلق الفكرة الأولى في هذا المضمار متسلحة بمفاهيم تربط العطاء بالأولويات المنبثقة من واقع الاحتياج الحقيقي الملموس للناس، وترى هذه الرؤية أن العطاء يجب أن يوجه حيث تشتد الحاجة ويؤتي الغرس ثمره الأوفر، وهي فكرة لا تنطلق في أساسها من التقليل من قيمة الصروح الدينية كبناء المساجد، ولا تستهين بشعيرة عظيمة كإفطار الصائمين، لكنها تنظر بعين الأولويات الظاهرة للعيان، وتبحث عن الأثر الأعمق والأبقى في واقع المجتمع، إذ يرى أصحاب هذا التوجه أن بناء العقول بالتعليم الشامل وتوفير أسباب الحياة الكريمة للفقراء والمحتاجين يمثلان جدار الحماية الأول للمجتمع، وأن العبادة بمفهومها الواسع لا تقتصر على محاريب المساجد، بل تتسع لتشمل عمارة الأرض وبناء الإنسان وتأهيله ليكون عنصرًا نافعًا.
وفي المقابل، تواجه هذه الفكرة فكرة ثانية تنطلق من غيرة محمودة على الشعائر والمظاهر الإيمانية التي تحفظ للمجتمع هويته وتربطه بوجدان الروح، غير أن هذه الفكرة المقابلة قد تتوجس أحيانًا من الفكرة الأولى ومن تحليلاتها، وقد تتهمها بأنها تحاول أن تختزل أفعال البر في الجوانب المادية البحتة، مما قد يفرغ المجتمع من روحه الإيمانية ونبضه الروحي، ويكمن مصدر استنكارها الأساسي في ملاحظة ذكية ولافتة: لماذا لا تشتعل هذه المقارنات وتستحضر الحاجات الملحة للفقراء والمساكين إلا عندما يشرع في البذل لبناء مسجد أو تنظيم إفطار صائم؟ ولماذا تغيب هذه النبرة الإصلاحية والتدقيق الصارم أمام مظاهر الترفيه والاستهلاك التي ربما تلتهم أموالًا كثيرة من موارد المرء اليومية دون أن تثير نصف هذا الجدل؟
هذا الحوار المكتوم الذي يثور في نفوس الكثيرين من أهل الخير والفضل، لا بد لنا معه من وقفة تأمل وتفكيك واعٍ، لننزع عنه اللثام ونوضحه بجلاء، فيسهل على المرء اتخاذ القرار الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وتقر به نفسه ويطمئن له قلبه.
إن البداية الصحيحة تتطلب تأملًا منصفًا في الفكرتين، والكشف عن التباس جوهري يربك النقاش ويحيد به عن مساره الصحيح، إذ إننا في حقيقة الأمر لسنا أمام أمر واحد، بل أمام مسألتين منفصلتين تمامًا، خلط بينهما دون قصد، مما أوجد هذا التعارض الوهمي.
وإذا بدأنا بالفكرة الثانية، فإن جوهرها يتساءل: لماذا لا نقوم بتحويل جزء من مواردنا المالية المخصصة أصلًا للترفيه والكماليات إلى وجوه البر المختلفة، كالتبرع بها لأصحاب الحاجة من الفقراء، وبناء المساجد، وإطعام الطعام، وغيرها من وجوه البر؟ ونلاحظ في هذه الفكرة أنها قائمة أساسًا على مفهوم «توسيع الميزانية»، أي زيادة الميزانية المخصصة للبذل عبر تقليص ميزانيتنا المخصصة للترفيه والاستهلاك الشخصي، وهذا بلا شك مسلك حسن جدًا، وهو محل إجماع كلي يتفق عليه الجميع، إذ يعد ترقية حقيقية للسلوك الإنساني، وتساميًا بالروح، وتوسيعًا لرقعة التكافل الاجتماعي.
أما الفكرة الأولى، فلا علاقة لها بالثانية من حيث المبدأ، وعلى كل واحد منا مناقشتها حتى وإن لم نخض في الفكرة الثانية، لأن الفكرة الأولى لا تتعلق بتوسعة ميزانية الخير من خلال اقتطاع أموال الترفيه الشخصي، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة «ترتيب أولويات الإنفاق» داخل الميزانية المحددة للخير، والتي تتزاحم فيها مختلف أبواب البر. هنا تحديدًا يصبح السؤال ضرورة ملحة وخيارًا لا مفر منه، إذ إننا مهما وسعنا الميزانية المخصصة للخير، فلا بد لنا في نهاية الأمر أن نحدد الأولويات ونختار بين جهات الخير المختلفة، فعلينا أن نحدد أين يجب أن نضع أولوياتنا: هل في سد عوز المحتاجين، أم في إفطار الصائمين، أم في بناء المساجد والجامعات؟
وقد يطرح البعض فكرة مفادها أننا بحاجة إلى كل هذه الأمور، وعلينا أن نخصص ميزانية مناسبة لكل واحدة منها، لكن هذه الفكرة لا تلغي ترتيب أولويات الإنفاق، لأن تحديد نسبة الموارد المخصصة لكل بند سيرجع حتمًا، على الأقل في جزء منه، إلى أهمية ذلك البند وترتيبه في سلم الأولويات.
إن التمييز بين الفكرتين، الأولى والثانية، يرفع اللبس، فبينما تدعونا الفكرة الثانية إلى الارتقاء بأنفسنا واقتطاع فضول العيش والترفيه لصالح أعمال الخير لتوسيع مظلة العطاء، ترشدنا الفكرة الأولى إلى فقه الموازنة الحكيمة داخل العمل الخيري ذاته، ليكون إنفاقنا ثمرة عقل يتدبر، وقلب يسعى لرضا الله سبحانه وتعالى.
وعلينا أن نعي أن ارتقاء المجتمعات وتعاظم إنجازاتها الحضارية كثيرًا ما يرتكزان على امتلاكها لوعي رشيد، يظهر جليًا في قدرتها على ضبط سلم أولويات البذل والعطاء لدى أفرادها، ومن ثم تبرز المسؤولية الكبرى والمهمة الجسيمة الملقاة على عاتق الموجهين والمتصدين للشأن الاجتماعي والديني، إذ يتوجب عليهم العمل على تنمية الوعي المجتمعي، وتبصير الأفراد بمجالات البذل الأكثر نفعًا والأشد إلحاحًا، وتحكيم منطق العقل ومقتضيات الضمير الحي، وتقديم المصالح العامة المستدامة على العواطف العابرة التي قد تغير سلم الأولويات وتحرفه عن مساره الصحيح.













