الأثر بإذن الله
أتعجّب ممّن يقرأ قصة يوسف
، فيؤمن بأن قميصه كان سببًا في عودة البصر إلى أبيه يعقوب
، ثم يستنكر أن يجعل الله لبعض أوليائه أثرًا، أو يكرم بعض أحبّائه بكرامة، أو يجري على أيدي الصالحين رحمةً وبشارة.
قال تعالى على لسان يوسف
: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ ، ثم قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ .
فهل كان القميص هو الخالق للبصر؟ كلا، بل الله هو الشافي والقدير، وهو وحده النافع والخبير؛ غير أنه سبحانه جعل القميص سببًا، وجعل يوسف موضع كرامةٍ وقرب، وأرانا أن القدرة لله، وأن السبب قد يكون حجرًا أو ماءً أو قميصًا أو دعاءً، وأن الفاعل في كل حال هو رب الأرض والسماء.
ومن هنا ينبغي أن نفهم كرامات الأولياء بفكرٍ مستقيم، لا بغلوٍّ سقيم، ولا بإنكارٍ عقيم. فالمؤمن لا يعبد وليًّا، ولا يعتقد أن صالحًا يستقل بالنفع أو الضرر، وإنما يؤمن بأن الله قد يكرم بعض عباده، ويجعل محبتهم بابًا للرحمة، ودعاءهم سببًا للفرج، وآثارهم تذكيرًا بالله لا صرفًا للقلوب عن الله.
والإمام الحسين
سبط رسول الله ﷺ، وسيد من سادات شباب أهل الجنة، نشأ في بيت النبوة، وتربّى في حجر الرسالة، وبذل نفسه دفاعًا عن الحق والكرامة والعدالة. أفليس من الإنصاف أن يُرجى عند ذكره نزول الرحمة، وأن تكون محبته باعثًا على الصلاح، وسيرته سببًا في الهداية والفلاح؟
إن الاختلاف في تفسير بعض الكرامات لا ينبغي أن يتحول إلى خصام، ولا أن يصبح طريقًا للاتهام؛ فما اتفقنا عليه أعظم مما اختلفنا فيه: الله هو الفاعل، والأنبياء والأولياء عباده، والكرامة لا ترفع بشرًا إلى مقام الربوبية، كما أن إنكار كل كرامة ليس دليلًا على الاعتدال ولا علامةً على العبودية.
فلنقرأ القرآن بقلبٍ واحد، وميزانٍ عادل، وفهمٍ شامل؛ فما قبِلناه في قميص يوسف، لا ينبغي أن نستنكره من حيث الأصل في حق عبدٍ صالح، ما دام الأمر كله بإذن الله، والفضل كله من الله، والرجاء كله متجهًا إلى الله.













