الدكتور مهدي أحمد محمد الطاهر.. مسيرة علمية في خدمة الإنسان والمجتمع

يُعد الأستاذ الدكتور مهدي أحمد محمد الطاهر من الشخصيات الأكاديمية والتربوية التي جمعت بين العلم والعمل، وبين التدريس الجامعي وخدمة المجتمع. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، تنقل بين التعليم الجامعي، والبحث العلمي، والإدارة الأكاديمية، والتدريب، والإرشاد النفسي والأسري، والعمل التطوعي، واضعًا الإنسان في قلب مشروعه العلمي والتربوي.
ولم يكن العلم في مسيرته مجرد طريق للحصول على الشهادات والترقيات الأكاديمية، بل كان وسيلة لبناء الإنسان، وتطوير التعليم، ودعم الأسرة، وخدمة المجتمع. ومن هنا امتد عطاؤه من قاعات الجامعات إلى الجمعيات والمراكز والبرامج المجتمعية، وظل مستمرًا حتى بعد انتهاء سنوات العمل الوظيفي.
بدأت رحلة الدكتور مهدي الطاهر العلمية في محافظة الأحساء، التي عُرفت بتاريخها العلمي والثقافي العريق. وفي هذه البيئة نما اهتمامه بالإنسان وقضاياه النفسية والتربوية، فاتجه إلى دراسة علم النفس، إيمانًا منه بأن فهم الإنسان يمثل أساسًا مهمًا لأي مشروع تعليمي أو اجتماعي ناجح.
حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس من جامعة الملك سعود، ثم واصل دراسته وحصل على درجة الماجستير في علم النفس التربوي، وهو التخصص الذي يجمع بين فهم النفس الإنسانية وقضايا التعليم والتعلم.
ثم توّج مسيرته العلمية بالحصول على درجة الدكتوراه في علم نفس التعلم من جامعة أم القرى، ليجمع بذلك بين علم النفس العام، وعلم النفس التربوي، وعلم نفس التعلم، وهي خلفية علمية انعكست لاحقًا على تدريسه وبحوثه وبرامجه التدريبية ومشاركاته المجتمعية.
وقد ظل مؤمنًا بأن الشهادة ليست نهاية رحلة العلم، وإنما بدايتها، فحرص على التعلم المستمر، ومتابعة المستجدات العلمية، والمشاركة في المؤتمرات والندوات والبرامج المتخصصة.
امتدت مسيرته الأكاديمية لأكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا، بدأها معيدًا، ثم محاضرًا، ثم أستاذًا جامعيًا، وأسهم خلالها في تعليم أجيال من طلاب التربية وعلم النفس الذين أصبح كثير منهم معلمين ومرشدين وأكاديميين وقادة تربويين.
وكان ينظر إلى التدريس باعتباره رسالة تتجاوز نقل المعلومات إلى بناء الشخصية وتنمية التفكير. لذلك حرص على تشجيع الحوار، وطرح الأسئلة، وربط النظريات النفسية والتربوية بالواقع، وتنمية قدرة الطالب على التفكير العلمي وتحليل المشكلات واتخاذ القرار.
ودرّس العديد من المقررات، من بينها علم النفس التربوي، وعلم نفس النمو، والمشكلات السلوكية، وتعديل السلوك، والتقويم التربوي، ومهارات التفكير، ومناهج البحث العلمي، والبحث الإجرائي.
كما امتد عطاؤه إلى خارج التعليم الجامعي؛ فدرّس علم النفس العام لعدد من المستويات في حوزة الأحساء، ودرّس مقرر البحث العلمي لمدة عامين في معهد الإمام المهدي للعلوم الإسلامية بالأحساء، ويواصل تدريس علم النفس الأسري، والانفعالات في القرآن الكريم، ومهارات التعلم في دار الفرقان للقرآن الكريم، جامعًا بين المعرفة النفسية والتربوية والقيم الإسلامية.
شكّل البحث العلمي جانبًا مهمًا من مسيرته، وتنوعت اهتماماته بين علم النفس التربوي، وعلم نفس التعلم، والأسرة ورعاية الطفولة، والإرشاد النفسي والأسري، والصحة النفسية، وإعداد المعلمين، وتنمية التفكير، وتطوير العملية التعليمية وبرامج تهذيب السلوك.
كما شارك في الإشراف على البحوث والرسائل العلمية ومناقشتها، وتحكيم الإنتاج العلمي، وحضور المؤتمرات والملتقيات العلمية داخل المملكة وخارجها.
وكان يؤمن بأن قيمة البحث لا تكتمل ببقائه في المكتبات، وإنما بقدرته على التحول إلى حلول وبرامج وممارسات تسهم في تطوير التعليم ومعالجة المشكلات النفسية والتربوية والاجتماعية.
إلى جانب التدريس والبحث، تولى الدكتور مهدي الطاهر عددًا من المسؤوليات الأكاديمية والإدارية، من بينها إدارة مركز التدريب وخدمة المجتمع بكلية المعلمين في الدمام، والإشراف على قسم التربية وعلم النفس بكلية التربية، وأسهم من خلال هذه المواقع في تطوير العمل الأكاديمي والتدريبي.
كما شارك في عدد من اللجان المهمة، ومنها لجان الجودة والاعتماد الأكاديمي، وتطوير التعليم الجامعي، وتقييم الكتب العلمية، وإعداد برامج الدراسات العليا، وصياغة الخطط الإستراتيجية، واختيار أعضاء هيئة التدريس، وتطوير برامج التربية الخاصة، وإعداد برنامج الماجستير في الإرشاد النفسي والمدرسي.
وكان له إسهام في إعداد وتطوير عدد من البرامج والخطط الدراسية، ومنها الدبلوم العام في التربية، وبرامج الإرشاد النفسي والمدرسي والتربية الخاصة، إضافة إلى تطوير توصيف المقررات ومخرجات التعلم.
وقد اتسمت رؤيته الإدارية بالعمل المؤسسي وروح الفريق، وإيمانه بأن الإدارة الأكاديمية ليست منصبًا بقدر ما هي مسؤولية تهدف إلى تهيئة البيئة المناسبة للإبداع والتعليم والبحث.
من أبرز سمات مسيرة الدكتور مهدي الطاهر إيمانه بأن الجامعة ينبغي أن تكون جزءًا فاعلًا من المجتمع، وأن المعرفة لا تحقق غايتها إلا عندما تتحول إلى خدمة للإنسان.
ومن هذا المنطلق شارك في تأسيس ودعم عدد من الجمعيات والمراكز والمبادرات المجتمعية المعنية بالصحة النفسية والإرشاد الأسري والتنمية الاجتماعية، ومن بينها جمعية مساندون للخدمات النفسية والاجتماعية، ومركز رفاه للإرشاد الأسري، ومركز رفاء للدراسات والتنمية الأسرية، وجمعية عطاء الاجتماعية، وجمعية انتماء وطني.
وقد أسهم من خلال هذه المؤسسات في التخطيط وإعداد البرامج وتقديم الاستشارات والأنشطة التي تستهدف دعم الأسرة، وتعزيز الصحة النفسية، وتنمية المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي.
كما قدم العديد من البرامج التلفزيونية والتوعوية، وشارك في الأمسيات النفسية والتربوية في مناطق مختلفة من المملكة، وقدم المحاضرات والدورات والبرامج التدريبية في التربية، والإرشاد الأسري، والصحة النفسية، وتنمية المهارات، والتعامل مع الأبناء، وبناء العلاقات الأسرية.
وتميز طرحه بالجمع بين التأصيل العلمي واللغة المبسطة والخبرة الواقعية، وهو ما ساعد على إيصال المفاهيم النفسية والتربوية إلى شرائح واسعة من المجتمع.
لم يتوقف عطاؤه بانتهاء مسيرته الوظيفية، بل واصل التدريس والاستشارات والعمل التطوعي والمشاركة في الجمعيات والمبادرات الاجتماعية، مؤكدًا بذلك أن رسالة الأستاذ لا ترتبط بالمنصب أو الوظيفة، وإنما تستمر ما دام قادرًا على تقديم المعرفة والخبرة للآخرين.
لقد استطاع الدكتور مهدي الطاهر أن يجمع بين شخصية الأستاذ الجامعي والباحث والإداري والمدرب والمستشار والناشط المجتمعي، وأن يحول خبرته العلمية إلى مشروع يخدم الإنسان في المدرسة والجامعة والأسرة والمجتمع.
وعُرف كذلك بالهدوء والاتزان وحسن الإنصات واحترام الآخرين، وهي صفات أسهمت في بناء علاقات إنسانية متميزة مع طلابه وزملائه وكل من عمل معه.
إن القيمة الحقيقية لأي مسيرة علمية لا تُقاس بعدد المناصب أو سنوات الخدمة وحدها، وإنما بما تتركه من أثر. وقد ترك الدكتور مهدي أحمد محمد الطاهر أثرًا متعدد الجوانب يتمثل في أجيال من الطلاب والمعلمين والمرشدين والباحثين، وفي برامج أكاديمية شارك في تطويرها، ومؤسسات وجمعيات أسهم في تأسيسها، ومحاضرات وبرامج تدريبية استفاد منها الكثيرون.
وتقدم تجربته نموذجًا للأكاديمي الذي لم يحصر نفسه داخل أسوار الجامعة، وإنما جعل علمه جسرًا يصل به إلى المجتمع، ووظف خبرته في بناء الإنسان والأسرة والمؤسسة.
إن الحديث عن الأستاذ الدكتور مهدي أحمد محمد الطاهر هو حديث عن أكثر من ثلاثة عقود من التعليم والبحث والإدارة والعمل المجتمعي، وعن مسيرة جمعت بين الفكر والتطبيق، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين الإنجاز الأكاديمي والعطاء الإنساني.
وما يزال عطاؤه شاهدًا على أن العلم حين يقترن بالإخلاص وخدمة الناس يتحول إلى أثر ممتد يتجاوز صاحبه إلى أجيال ومؤسسات ومجتمع بأكمله.
نسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وعلمه، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه ومجتمعه، وأن يجعل علمه وعطاءه في ميزان حسناته، ويوفقه لمواصلة رسالته العلمية والإنسانية.













