آخر تحديث: 12 / 8 / 2026م - 12:40 م

سارة

فصل جديد من «أصداء»

هناء العوامي *

أنا سارة، بلغت اليوم سنتين من العمر وفق تقويم تيتان، هذا يعني أنني تقدمت فعلًا في السن، لكن صحتي جيدة بما أنني ولدت وعشت حياتي كلها على نفس الكوكب، أمنا الأرض، والتي ستظل كما أؤمن وأعتقد هي الأكثر حنانًا ومودةً لجنسنا من أي كوكب آخر… لم يعد لي صديقات، روزا الشقراء أصبحت ارتباطاتها العائلية لا تترك لها وقتًا لصديقات شبابها بعد زواج أولادها، أما لورا فقد هاجرت إلى المريخ!

تصوروا! لورا التيتانية الانطوائية تهاجر إلى كوكب جديد خلال حياتها! إن تغيير الكوكب لمرة واحدة يضع عبئًا ثقيلًا على جسم الإنسان، فما بالك بأن تفعلها مرتين! ولذلك لم أستغرب حين سمعت خبر وفاتها بعد سنوات أرضية قليلة من استقرارها في المريخ، لكن الأعجب هو أن شخصيتها تغيرت هناك، فأصبحت اجتماعية وأكثر انفتاحًا على الحياة، يبدو لي أن صحتها النفسية تحسنت رغم انهيار جسمها وإصابته بالأمراض، أعتقد أن معرفتها بالكواكب الثلاثة جعلتها تشعر بأنها شخصية مهمة ومميزة، وقد أصبحت تكتب عن ذلك كثيرًا، وحتى بعد وفاتها ظلت صفحات مذكراتها ومقارناتها النقدية للحياة على الكواكب المأهولة في المجموعة الشمسية مرجعًا معتمدًا ووثائقَ ثمينةً تُدرَّس في الجامعات، مع أن أغلب الحكومات قد سنّت الآن قوانين تحد من تكرار التجربة، لأن كثيرين قرروا فعل الشيء نفسه طمعًا في الشهرة! حتى الهجرة لمرة واحدة لم يعد يُسمح بها إلا لو كان عمرك أقل من سنة تيتانية واحدة ولم تكن مصابًا بأي أمراض.

أما راحيل فأنا أشك بأنها كانت تدرك منذ البداية نظرتي للشلة على أنهن حيوانات تجارب، فرغم مرور أكثر من عقدين بتقويم الأرض فأنا أتذكر كيف كانت في كل اجتماع لنا تقريبًا تعاملني وكأنني قطعة أثاث تتكلم، كان ذلك يغيظني، كأنها تقول لي بشكل مبهم: ”لا بأس، يمكنك دراستنا إن رغبتِ في ذلك، ولكن لا تتوقعي أن نعاملك كفرد حقيقي منا!“ الأغرب أنها تزوجت من كارل الذي لحقها إلى كوكب الأرض! وهي تدعي أن الأرض غيرته، لكنني أعتقد أنه كان يعجبها منذ البداية لكنها لم تكن تريد أن تعترف لنفسها بذلك، حسنًا… ربما لنا فقط وليس لنفسها.

والأغرب أنها بعد أكثر من عقد من زواجها لم تنجب، كنت أراها الأكثر أمومة بين جميع من عرفت من النساء، أكثر من روزا حتى… وقد سألتها عن ذلك حين قابلتها صدفةً، وقد أثار ضيقي شعوري بأنها تتفضل عليّ بالحديث معي، كأنها تتطوع لتغذية مشروعي في دراسة العائدين من الكواكب! لم تُظهر هذا أبدًا بهذا الوضوح خلال صبانا، ما جعلني أكتشف فجأة أنها المرة الأولى التي أتكلم معها فيها دون وجود واحدة أو أكثر من صديقات الصبا… قالت لي: ”ربما لا أريد أن أكون مجرد عربة للجين الأناني!“

لم أشعر بالراحة للحديث معها فاعتذرت بحاجتي للانصراف للحاق بموعد وهمي، أومأت إليّ برأسها وهي تبتسم ابتسامة متفهمة! حسنًا… لقد تكلمنا مطولًا بما يكفي لتدرك أنني أصفها بالمتفهمة من باب تخفيف وطأتها على نفسي، رغم مغادرتها السريعة إلى حدٍّ خلت معه أنني توهمت رؤيتها، لكن تلك الابتسامة الأخيرة أشعرتني بالانكشاف! وكأنني أصبحت عارية فجأة! حتى إنني شعرت بالبرد! لقد كانت أسوأ حتى من مازن، جاري غريب الأطوار الذي ادعى يومًا أنه نموذج ذكاء اصطناعي متنكر في هيئة بشر، تذكرته فجأة بضيق، رغم أنه قد مر وقت طويل منذ أن فكرت فيه، لقد اختفى هو وعائلته الصغيرة منذ أكثر من عقد، وكنت حين أسأل عنه لا يتذكره أحد إلا بشكل ضبابي، وغالبًا يخلطون بينه وبين أشخاص آخرين. كما يتعذر تتبع أي أثر رقمي له بما أنني لا أعرف سوى اسمه الأول.

وربما بسبب الضيق الذي سببته لي راحيل، تمنيت لو أنه كان بالفعل روبوتًا متطورًا وأنه تم تفكيكه.

رابط شراء الرواية الكاملة

https://darathar.net/NAeeVby
كاتبة سعودية تميل في أعمالها إلى المزج بين البعد الإنساني والتساؤلات الفكرية. تنوّعت كتاباتها بين الخيال العلمي، والرواية التاريخية، والنصوص الاجتماعية، إضافة إلى قصص تناولت القضية الفلسطينية، ومجموعة شعرية.

تتسم أعمالها بمراقبة الإنسان في لحظاته الحرجة، وبالأسئلة المتعلقة بالهوية، والذاكرة، والمصير.

وبالاهتمام بالمساحات الرمادية بين الواقع والخيال.

رابط شراء رواية ”أصداء من زمن آخر“ من موقع أثر: https://darathar.net/NAeeVby