جمعية الحلول التنموية للإسكان… حين تتحول الحوكمة إلى ثقافة مؤسسية

لا تُقاس نجاحات الجمعيات الأهلية بحجم المبادرات التي تقدمها للمجتمع فحسب، بل تُقاس كذلك بقدرتها على بناء مؤسسة قوية من الداخل، تعمل وفق الأنظمة، وتحافظ على مواردها، وتلتزم بالشفافية والإفصاح، وتضع الحوكمة في صميم عملها اليومي.
وفي هذا السياق، حققت جمعية الحلول التنموية للإسكان بالحليلة نتيجة متميزة في تقييم تطبيق معايير الحوكمة الصادر عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي لعام 2025 م، بحصولها على درجة إجمالية بلغت 96.3%، وهي نتيجة تعكس مستوى متقدمًا من النضج المؤسسي والالتزام الإداري والمالي.
ولعل ما يمنح هذه النتيجة أهمية أكبر أنها لم تأتِ من مؤشر منفرد، بل كانت حصيلة أداء متكامل في محاور أساسية؛ إذ حققت الجمعية 100% في معيار الامتثال والالتزام، و 100% في معيار الشفافية والإفصاح، فيما بلغت نتيجة السلامة المالية 90.75%.
وهذه الأرقام ليست مجرد نسب توضع في تقرير سنوي، وإنما تحمل خلفها كثيرًا من العمل التنظيمي؛ فالامتثال والالتزام بنسبة كاملة يعني حضور اللوائح الأساسية، وتنظيم أعمال الجمعية العمومية ومجلس الإدارة والفروع والمكاتب، والعناية بالتقارير والبرامج والأنشطة والوثائق والسجلات واللجان. أما الحصول على 100% في الشفافية والإفصاح، فيشير إلى اهتمام واضح باللوائح والأنظمة وبيانات الجمعية والقوائم المالية ونماذج الإفصاح.
في القطاع غير الربحي، لا ينبغي النظر إلى الحوكمة على أنها مجموعة من النماذج واللوائح التي تُستكمل من أجل الحصول على تقييم مرتفع، وإنما هي منظومة تحمي رسالة الجمعية نفسها.
فكلما كانت المسؤوليات واضحة، والقرارات موثقة، والموارد المالية خاضعة للرقابة، والمعلومات متاحة بشفافية، ازدادت قدرة الجمعية على الاستمرار، وارتفعت ثقة المستفيدين والداعمين والشركاء بها.
ولهذا فإن الوصول إلى 96.3% يعكس نجاحًا يتجاوز الجانب الإداري؛ لأنه يؤسس لبيئة أكثر قدرة على تحقيق الأهداف التنموية التي أُنشئت الجمعية من أجلها.
وتزداد قيمة هذا الإنجاز عندما نتذكر طبيعة المجال الذي تعمل فيه الجمعية؛ فالإسكان ليس مجرد بناء جدران وتسليم مفاتيح، بل هو أحد أهم مقومات الاستقرار الإنساني والأسري.
حين تحصل الأسرة المحتاجة على مسكن مناسب، فإن الأثر يمتد إلى الشعور بالأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي، وإلى تعليم الأبناء وصحتهم وجودة حياتهم وقدرة الأسرة على التخطيط للمستقبل.
ومن هنا، فإن الجمعيات العاملة في مجال الإسكان التنموي تحمل مسؤولية مضاعفة: مسؤولية تجاه المستفيد، ومسؤولية تجاه المال والموارد والثقة المجتمعية التي وُضعت بين أيديها.
ولهذا تصبح الحوكمة جزءًا أصيلًا من العمل الإنساني؛ لأن الإحسان لا يكتمل بحسن النية وحده، وإنما يحتاج كذلك إلى حسن الإدارة، ودقة التنظيم، وعدالة الإجراءات، وكفاءة توظيف الموارد.
من السهل أن نرى الرقم النهائي: 96.3%، لكن خلف هذا الرقم ساعات طويلة من العمل والمتابعة والتوثيق والمراجعة والتدقيق، وتعاون مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والفرق الإدارية والمالية واللجان والعاملين والمتطوعين.
والحصول على الدرجة الكاملة في الامتثال والالتزام والشفافية والإفصاح تحديدًا يدل على أن العمل المؤسسي لم يعد نشاطًا جانبيًا، بل أصبح جزءًا من ثقافة الجمعية ومنهجها في أداء رسالتها.
والإنجاز المؤسسي الحقيقي هو الذي لا يعتمد على فرد واحد، وإنما تصنعه منظومة يعرف فيها كل شخص مسؤوليته، ويؤدي دوره، ويعمل الجميع في اتجاه واحد.
كما أن تحقيق 90.75% في معيار السلامة المالية يمثل نتيجة مرتفعة، وفي الوقت نفسه يفتح بابًا مهمًا للتطوير المستمر.
فالمؤسسة الناجحة لا تتعامل مع التقييم بوصفه محطة للاحتفال فقط، وإنما تجعله أداة للتعلم: أين نجحنا؟ وأين توجد فرص التحسين؟ وكيف ننتقل في الدورة القادمة من الأداء المتميز إلى أداء أكثر كفاءة واستدامة؟
وهذه العقلية تحديدًا هي التي تحول التقييم من «درجة» إلى خارطة طريق للتطوير المؤسسي.
لقد شهد القطاع غير الربحي في المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في مفهوم العمل الأهلي؛ فلم يعد كافيًا أن تكون لدى الجمعية مبادرة جميلة أو نوايا طيبة، بل أصبح مطلوبًا أن تعمل وفق منظومة واضحة من الحوكمة والكفاءة والشفافية والاستدامة وقياس الأثر.
وهذا التحول ينسجم مع التوجه الوطني نحو تعزيز دور القطاع غير الربحي وجعله شريكًا أكثر فاعلية في التنمية.
ومن هنا، فإن تميز جمعية محلية في الأحساء في تطبيق معايير الحوكمة لا يمثل نجاحًا للجمعية وحدها، بل يقدم نموذجًا لما يمكن أن تصل إليه مؤسسات المجتمع المدني عندما تجمع بين الرسالة الإنسانية والإدارة المهنية.
1» المساهمة في تقديم المساكن الخيرية.
2» المساهمة بتوفير الحلول التمويلية للمساكن.
3» مساعدة الأسر الفقيرة على ترميم منازلهم.
4» العمل على تطوير المباني وترميمها.
5» دعم المتعثرين ماليا في سداد الفواتير والإيجارات لمساكنهم.
6» تمكين الأسر الأشد احتياجا من تملك المنزل الملائم.
7» تمكين الفئات المستفيدة من تملك السكن المناسب.
8» تقديم خدمة الإيواء المؤقت للفئات المستفيدة.
9» ترميم للمنازل القديمة للفئات المستهدفة.
يعني ذلك أن الجمعية حققت مستوى مرتفعًا جدًا في معايير الحوكمة والشفافية والالتزام، وهو مؤشر يعكس جودة العمل المؤسسي والإداري فيها.
كما أن حصول الجمعية على هذه النسبة المرتفعة يعني:
• أن الجمعية تتمتع بدرجة عالية جدًا من الشفافية والالتزام بالأنظمة والمعايير المعتمدة.
• أن الجمعية مؤهلة للحصول على منح الدعم المقدمة من صندوق دعم الجمعيات وفقًا لشروط ومتطلبات كل منحة.
• أن الجمعية مؤهلة للتقديم على منح برنامج «واعد» في شركة أرامكو وفق الضوابط المعتمدة.
• أن الجمعية أصبحت في موقع مؤسسي قوي يؤهلها للتقديم على أغلب المنح المخصصة للمشاريع والبرامج التنموية.
وبذلك فإن نسبة 96.3% في الحوكمة ليست مجرد رقم، بل هي شهادة على نضج العمل المؤسسي في الجمعية، وتعزز ثقة الجهات الداعمة والمانحة بها، وتفتح أمامها آفاقًا أوسع لتنفيذ مشاريعها وتحقيق أهدافها التنموية.
الوصول إلى نسبة مرتفعة إنجاز يستحق التهنئة، لكن التحدي الأكبر هو المحافظة عليها وتطويرها.
فالتميز المؤسسي ليس شهادة تُعلّق على الجدار، وإنما ممارسة يومية تتجدد مع كل قرار، وكل ريال يُنفق، وكل مستفيد تُقدم له الخدمة، وكل معلومة يتم الإفصاح عنها، وكل مشروع جديد تنفذه الجمعية.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز: أن تتحول الحوكمة من متطلبات تقييم إلى سلوك مؤسسي دائم.
كل التهنئة لـ جمعية الحلول التنموية للإسكان بالحليلة، لمجلس إدارتها وإدارتها التنفيذية ومنسوبيها والمتطوعين فيها، على تحقيق 96.3% في تطبيق معايير الحوكمة لعام 2025 م.
إنها نتيجة تقول إن العمل الإنساني يمكن أن يجمع بين القلب الذي يشعر بحاجة الإنسان، والعقل الذي يدير المؤسسة بكفاءة، والنظام الذي يحفظ الحقوق والموارد والثقة.
ونسأل الله أن يكون هذا الإنجاز خطوة في مسيرة متواصلة من النجاح، وأن يبارك في جهود القائمين على الجمعية، وأن يجعل ما يقدمونه من عطاء في خدمة الأسر والمجتمع في موازين أعمالهم، وأن يديم عليهم التوفيق والسداد والتميز.













