آخر تحديث: 10 / 8 / 2026م - 2:01 م

النمو غير النفطي يتسارع.. فهل أصبحت الموارد البشرية عنق الزجاجة؟

أحمد مكي الجصاص * صحيفة مال

في السنوات الماضية، كان التحدي الأكبر أمام الشركات هو الفوز بالمشروعات، أما اليوم، وبعد تسارع النمو في الأنشطة غير النفطية، فقد أصبح التحدي الحقيقي هو القدرة على توفير الكفاءات القادرة على تنفيذ تلك المشروعات بكفاءة، وبعبارة أخرى، لم تعد المنافسة على رأس المال أو الفرص الاستثمارية فحسب، بل أصبحت المنافسة على رأس المال البشري.

هذا التحول يفرض سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: هل ما زالت إدارات الموارد البشرية تعمل بالعقلية التقليدية، بينما يتحرك الاقتصاد السعودي بوتيرة مختلفة؟

المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن الاقتصاد السعودي يعيش مرحلة تحول غير مسبوقة، فقد أصبحت الأنشطة غير النفطية تسهم بأكثر من 52% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، في دلالة واضحة على نجاح مستهدفات ”رؤية السعودية 2030“، في تنويع القاعدة الاقتصادية، كما حافظ مؤشر مديري المشتريات «PMI» على بقائه فوق مستوى 50 نقطة خلال معظم الأشهر الأخيرة، وهو ما يعكس استمرار توسع نشاط القطاع الخاص غير النفطي ونمو الأعمال الجديدة وثقة الشركات في السوق.

غير أن النمو الاقتصادي لا يُقاس بالمؤشرات الكلية وحدها، بل بقدرة الشركات على تحويل هذا الزخم إلى إنتاجية مستدامة، وهنا تبدأ القصة الحقيقية للموارد البشرية.

لكن خلف هذه الأرقام الإيجابية يبرز تحدٍ أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا، يتمثل في قدرة الشركات على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها وتطويرها، فكل مشروع جديد، وكل مصنع، وكل توسع في الخدمات، يحتاج قبل التمويل إلى كوادر تمتلك المهارة والخبرة والقدرة على الإنتاج، وعندما تتأخر الموارد البشرية عن مواكبة هذا الطلب، فإن تكلفة التأخير لا تُقاس بعدد الوظائف الشاغرة، بل بالإنتاجية المفقودة، وتأخر تنفيذ المشروعات، وارتفاع تكاليف التشغيل.

والمفارقة أن سوق العمل يكشف عن معادلة تستحق التوقف عندها، إذ بلغ معدل البطالة بين السعوديين 7% بنهاية الربع الأول من عام 2025، وفي المقابل لا تزال العديد من القطاعات تشكو من صعوبة العثور على المهارات المناسبة، وهذه ليست مفارقة رقمية، بل مؤشر اقتصادي على وجود فجوة بين مخرجات سوق العمل واحتياجات الاقتصاد الجديد، فالمشكلة لم تعد في عدد الباحثين عن عمل، وإنما في مدى توافق مهاراتهم مع متطلبات القطاعات التي تقود النمو.

اللافت أن كثيرًا من إدارات الموارد البشرية لا تزال تقيس نجاحها بمؤشرات تشغيلية، مثل عدد التعيينات، أو مدة شغل الوظيفة، أو الالتزام بالإجراءات، بينما تتجه الاقتصادات الحديثة إلى قياس مؤشرات أكثر ارتباطًا بالأداء الاقتصادي، مثل إنتاجية الموظف، والعائد على الاستثمار في التدريب، وتكلفة دوران العاملين، ومساهمة رأس المال البشري في نمو الإيرادات.

فالموظف اليوم لم يعد بندًا في قائمة المصروفات، بل أصل اقتصادي يولد قيمة مضافة، وكل ريال يُستثمر في تطوير المهارات أو رفع الإنتاجية يمكن أن ينعكس على الأرباح والقدرة التنافسية، بينما يؤدي ضعف الاستثمار في الكفاءات إلى زيادة تكاليف الاستقطاب، وارتفاع معدل دوران الموظفين، وتراجع جودة التنفيذ.

كما أن سوق العمل يشهد تحولًا نوعيًا، فالاقتصاد غير النفطي يخلق طلبًا متزايدًا على مهارات متخصصة في الصناعة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، وإدارة المشروعات، والذكاء الاصطناعي، وهذا ما يفسر استمرار شكوى بعض القطاعات من نقص المهارات، رغم انخفاض معدل البطالة بين السعوديين إلى 7% بنهاية الربع الأول من عام 2025، إذ تكمن المشكلة في فجوة المواءمة بين المهارات المتاحة واحتياجات الاقتصاد الجديد، وهذا يعني أن دور الموارد البشرية لم يعد يقتصر على شغل الوظائف، بل أصبح يتمثل في استشراف احتياجات المستقبل، وبناء مسارات للتأهيل، وربط التدريب بالأهداف الاقتصادية للشركة.

إن نجاح المملكة في تنويع اقتصادها يمثل إنجازًا وطنيًا، لكن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب تنمية رأس المال البشري بالسرعة نفسها، فالمصانع يمكن بناؤها، والتقنيات يمكن شراؤها، والاستثمارات يمكن جذبها، أما الكفاءات فلا تُبنى بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى تخطيط واستثمار مستمر.

ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد لا تُقاس بعدد المشاريع التي تُعلن، بل بقدرة الشركات على تحويل إدارات الموارد البشرية من إدارات تشغيلية إلى شريك اقتصادي في صناعة القرار، فالنمو غير النفطي لن يتوقف بسبب نقص الفرص، وإنما قد يتباطأ إذا أصبحت الكفاءات هي عنق الزجاجة، ومن يدرك هذه الحقيقة مبكرًا، لن يحقق نموًا أكبر فحسب، بل سيصنع ميزة تنافسية يصعب تقليدها.

مستشار الموارد البشرية