آخر تحديث: 12 / 8 / 2026م - 12:40 م

عند الحسين انتهت الخصومة

رضي منصور العسيف *

قال له صديقه ذات صباح:

— اليوم رأيت ابن عمك أبا سعيد في حرم الإمام الحسين .

رفع أبو محمد رأسه، وردّ بنبرةٍ باردة حاول أن يخفي خلفها شيئًا كثيرًا من الألم:

— وماذا تريد مني أن أفعل؟

قال صديقه بهدوء:

— لا شيء... أحببت فقط أن أخبرك. ولعل وجودكما في أرض الحسين يكون فرصةً لتبادر بالتواصل معه.

نظر إليه أبو محمد مستنكرًا، وقال:

— أنا أبادر؟ ولماذا؟ هل أنا الذي قاطعته؟

يا أبا علي، لقد حاولت التواصل معه بعد المشكلة، مع أنني لم أكن أريد أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، لكنه أصرّ على موقفه ورفض كل محاولاتي.

ثم تنهد وقال:

— عن إذنك... سأذهب إلى غرفتي لأرتاح قليلًا.

دخل أبو محمد غرفته، لكنه لم يدخلها ليستريح؛ فقد دخل معه الماضي كله.

استلقى على فراشه، وأغمض عينيه، فإذا بتلك الحادثة القديمة تعود إليه بكل تفاصيلها.

تذكّر يوم اتصل بابن عمه يدعوه إلى حفل خطوبة ابنته، وما إن أخبره بالموعد حتى جاءه صوت أبي سعيد مثقلًا بالعتب:

— أهكذا الأصول يا ابن العم؟ أنا آخر من يعلم؟ كأنني غريب عنكم!

شعر أبو محمد يومها أن الموقف خرج عن حجمه، فسارع إلى التخفيف منه وقال معتذرًا:

— سامحني يا ابن العم... حدث ما حدث، ولم أقصد أن أؤخرك أو أن أشعرك بأنك بعيد عنا. المهم أن تحضر وتفرح معنا.

لكن أبا سعيد أجابه ببرود:

— الليلة أنا مشغول، ولا أستطيع الحضور.

ومنذ تلك المكالمة، بدأ جدارٌ يرتفع بينهما.

يومًا بعد يوم، وصمتًا بعد صمت، حتى تحولت القرابة القريبة إلى مسافةٍ بعيدة.

حاول أبو محمد مرةً، ثم مرةً أخرى، أن يعيد حبل التواصل، لكن أبا سعيد كان يرفض، أو يؤجل، أو يغلق الباب بصمت.

ومع مرور الأيام، توقف أبو محمد عن المحاولة.

لكن القلب لم يتوقف عن الحنين.

وهو على فراشه في كربلاء، أخذ يستعيد أيامًا أبعد من الخلاف.

تذكّر طفولتهما حين كانا في بيتٍ واحد، يلعبان في الساحة نفسها، ويتقاسمان الضحكات والألعاب.

تذكّر أيام المدرسة، والجلوس الطويل، والمواقف الصغيرة التي ما زالت تسكن الذاكرة.

تذكّر أسفارهما معًا، والطرقات التي قطعاها، والضحكات التي كانت تملأ السيارة، والأحاديث التي لم تكن تنتهي.

تنهد أبو محمد وقال في نفسه:

— يعلم الله أنني أحب ابن عمي، ولم أحمل في قلبي عليه حقدًا يومًا... ولكن ماذا أفعل إذا كان هو لا يريد الصلح؟

كانت زوجته تراقبه من بعيد. رأت الصمت الطويل في عينيه، فسألته:

— ما بك؟ أراك شاردًا.

قال بعد تردد:

— ابن عمي أبو سعيد موجود في كربلاء...

ثم سكت قليلًا، وكأنه يبحث عن الكلمات، وقال:

— ما رأيك أن...؟

لم تدعه يُكمل، وقالت مبتسمة:

— رأيي هو رأيك. الصلح والتواصل من صفاتك يا أبا محمد، فلا تجعل موقفًا عابرًا يمحو سنواتٍ من المحبة.

ظلت كلماتها تدور في نفسه.

وفي أعماقه، حضرت كلمةٌ من كلمات سيد الشهداء ، كأنها جاءت في تلك اللحظة لتضع أمامه الطريق:

قال الإمام الحسين :

«إِنَّ أَوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ». «1»

قرأها بقلبه قبل لسانه.

وقال في نفسه:

— إن كنت أحب الحسين حقًا، فهذه أرضه... وهذه كلمته... وهذه فرصتي.

وفي المساء، خرج أبو محمد مع صديقه متوجهين إلى الحرم الحسيني.

لم يخبره بما يدور في داخله.

كان يمشي صامتًا، لكن في قلبه حديثٌ طويل.

وكلما اقترب من القبة، شعر أن شيئًا من ثقل السنين يتساقط عن صدره.

دخل الحرم.

صلّى.

ودعا.

وقرأ الزيارة.

ثم بقي في مكانه، ينظر طويلًا إلى الضريح المقدس.

كان الزائرون من حوله يتحركون، والأصوات تتداخل، والدموع تنساب، لكنه كان يعيش لحظةً خاصة بينه وبين الحسين .

قال في نفسه:

— نحن هنا في حرمك يا سيدي... جئتك بقلبٍ أريد له أن يكون أبيض؛ لا حقد فيه، ولا غل، ولا خصومة.

ثم أطرق رأسه قليلًا، وأضاف:

— يا أبا عبدالله... لا أريد أن أخرج من حرمك وأنا أحمل في قلبي قطيعة رحم.

وفي تلك اللحظة...

مال صديقه نحوه، وقال بصوتٍ خافت:

— أبو محمد... أليس ذاك أبا سعيد؟

وأشار بيده إلى رجلٍ كان يصلّي غير بعيد عنهما.

رفع أبو محمد بصره.

إنه هو.

ابن عمه.

وقف لثوانٍ لا يتحرك.

شعر أن السنين كلها اجتمعت في تلك المسافة القصيرة بينهما.

ذكريات الطفولة...

الدراسة...

السفر...

العتب...

المكالمات التي لم تُجب...

والأيام التي مضت في القطيعة.

ثم تذكّر كلمة الحسين :

«إِنَّ أَوْصَلَ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ».

فلم يتردد.

تقدّم نحوه بخطواتٍ هادئة.

وقف إلى جانبه ينتظر حتى أتمّ صلاته.

وحين فرغ أبو سعيد، مدّ أبو محمد يده وربت على كتفه برفق، وقال بصوتٍ مملوء بالمحبة:

— تقبّل الله عملك يا ابن العم.

استدار أبو سعيد.

كانت المفاجأة أكبر من الكلمات.

نظر إليه لحظات، وكأن سنوات القطيعة كلها تذوب أمامه دفعةً واحدة.

لم يقل: لماذا جئت؟

ولم يقل: من المخطئ؟

ولم يفتح دفاتر العتاب القديمة.

فتح ذراعيه فقط...

واحتضن ابن عمه.

وانهمرت دموعه على خديه وهو يقول:

— سامحني يا ابن العم... لقد أخطأت في حقك.

شدّ أبو محمد على كتفيه، ومسح دموعه، بينما كانت دموع الفرح تملأ عينيه هو الآخر، ثم قال:

— انتهى كل شيء...

وسكت لحظة، ثم نظر إلى الضريح المقدس وقال:

— الحسين يجمعنا.

وفي حضرة الحسين، سقط جدارٌ ظل قائمًا سنوات.

لم يحتج الأمر إلى محكمة، ولا إلى انتصار أحدهما على الآخر، ولا إلى إثبات من كان على حق.

احتاج فقط إلى قلبٍ يلين، وخطوةٍ تُؤخذ لله، وكلمةٍ حسينية تُترجم إلى فعل.

وهكذا تعلّما أن بعض الخصومات لا تحتاج إلى من يربحها...

بل إلى من يملك الشجاعة لينهيها.

فزيارة الحسين ليست دمعةً عند الضريح فحسب؛

إنما هي قلبٌ يعود أنقى، ورحمٌ تُوصَل، وخصومةٌ تُدفن عند باب الحسين.


[1]  بحار الأنوار.
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف