آخر تحديث: 12 / 8 / 2026م - 12:40 م

يا أيها الرحمة الراحلة

طاهر علي آل طرموخ

في أعماق وجود لا تسبره خيالات الكائنات ولا تستوعب كينونته عقول البشر، غطت الأحزان والأتراح كونًا بكونه وكيانه، وبكت الأفلاك والأملاك بكاء ليس كبكاء الأرواح ولا كبكاء من فقدوا أو ثكلوا، بل كبكاء تكوين تاه في ظلمات العدم.

في حين كهذا الحين وفي يوم كهذا اليوم ومن دنيا فانية إلى عرش رب الخلائق رحل سيد البشر والمخلوقات ملبيًا طائعًا خالقه، رحل رحيلًا لا يشبه رحيل الراحلين، ولا كما يرحل مسافر من بلد إلى بلد، رحل إلى دار المقام التي هو فيها القائد والحاكم، وهو فيها الميزان والقاسم.

رحل شاهدًا وشهيدًا تاركًا للوجود وجع فقده، وحسرة فراق لا تنطوي صفحاته ولا تنطفئ من القلوب حرارة ذكرياته، رحل راسمًا للرحيل ذاته صورة ليس كمثلها شيء في دواوين الراحلين.

رحمة كان وما زال، ولطفًا خفيًا سرمديًا، حياةً للحياة وروحًا للكائنات والموجودات وديمومةً دهور تعاقبت فيها أنبياء ورسل، ونهجًا سارت بقداسته سنوات وأزمنة وطويت لكرامته طرق السماء والأرض.

نبي الأنبياء وحجة الله على رسله ورحمته الواسعة التي وسعت ما ظهر وما خفي من السماوات والأرض، الرحمة التي امتدت إلى غيبٍ لا نعلمه ويعلمه الله تعالى ويعلم ما تحيط به تلك الرحمة المتمثلة بك يا أكرم الرسل في ذلك الغيب.

يا أيها الرحمة الراحلة من عوالم ظهورها والخالدة المتجلية في خفائها، يا من لا رحمة في الوجود مثلها، يا فيض الأحزان الذي لا ينضب، يا ترتيلة الآيات المحكمات ويا صلاة الله وملائكته، ويا خير البرية والأنام، اليوم مات النور الباهر وطمست أسس البركات بموتك واليوم فجع الهدى بك فجيعة مؤلمة فظيعة.

يا نبي الرحمة المنزلة علينا، من للبيت العتيق ومن للتلبية في مغيبك، ومن بين الركن والمقام بعدك يطوف ويسعى؟

يا دين الله وربان قرآنه ودلائله، يا من دون اسمه ينقص التسليم ومن دون الصلاة عليه تبطل الصلوات، ويا وجه الله الظاهر بين عباده.

يا خيرة الأولين والآخرين سلامًا وصلاة يطول دوامها عليك وعلى آل بيتك الطاهرين، طبت وطاب ثراك ومضجعك وطابت بك طيبة الطيبة وطاب بك العالمون من مولدك إلى وفاتك وحتى يوم الشفاعة في مبعثك.