آخر تحديث: 12 / 8 / 2026م - 12:40 م

هل جاء الإسلام لبيئة العرب وحدها؟

قراءة في النص، والتاريخ، وتحولات الإنسان

علي البحراني *

حين يُطرح السؤال:

«هل الإسلام دين كوني، أم أنه جاء ليؤسس لعادات العرب وتقاليدهم؟»

فإن السؤال لا يتعلق بالدين وحده، بل بطريقة فهم الإنسان للنص، وبقدرة المجتمعات على التمييز بين المقدس والتاريخي، وبين الوحي والثقافة، وبين المطلق والنسبي.

لقد نزل القرآن بلسان عربي، وفي مجتمع من «الأميين»، داعيًا لجميع الأمم، ويقوده المبدأ، وتسيره بنية اجتماعية قائمة على المساواة والسلم ونبذ التفاوت الطبقي. ومن الطبيعي أن يخاطب النص ذلك الواقع بلغته، وأن يتعامل مع قيمه، وأن ينقل الناس من وضع إلى وضع أكثر عدالة وإنسانية. لكن الخطأ التاريخي الذي وقع لاحقًا هو أن المسلمين — في مراحل طويلة — خلطوا بين «الرسالة» و«البيئة»، فصار ما كان علاجًا مرحليًّا يقدَّم بوصفه حكمًا أبديًا، وما كان استجابة لواقع معين يُعامَل كأنه جوهر الدين ذاته.

لقد أشار الفيلسوف الألماني نيتشه إلى أن الأديان كثيرًا ما تتحول — عبر التاريخ — إلى «ذاكرة جماعية للشعوب التي احتضنتها أولًا»، لا لأنها تريد ذلك، بل لأن البشر يميلون إلى تأبيد ما ألفوه. وهذه الفكرة بالذات تفسر لنا لماذا تم «تقديس» بعض الأعراف العربية القديمة، رغم أن القرآن نفسه كان يتحرك باتجاه تقليص سلطان العرف، لا تكريسه.

الإسلام في جوهره لم يأت ليؤسس «عروبة مقدسة»، بل ليعيد بناء الإنسان أخلاقيًا؛ ولذلك فإن القيمة العليا في القرآن لم تكن القبيلة، بل التقوى، ولم يكن النسب، بل العمل، ولم يكن الذكر، بل الإنسان.

قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]

وهذه الآية وحدها كانت ثورة هائلة على البنية القبلية التي حكمت العرب قرونًا.

لكن السؤال الأكثر حساسية يظهر في القضايا الاجتماعية المتعلقة بالمرأة: المهر، والميراث، والولاية.

هل هذه الأحكام جاءت بوصفها مبادئ أبدية فوق التاريخ، أم أنها عالجت واقعًا عربيًا محددًا؟ هذا على افتراض أن التفسير صحيح، فماذا لو كان خطأ؟

المهر: تكريم أم بقايا اقتصاد القبيلة؟

المهر في صورته التاريخية لم يكن اختراعًا إسلاميًا؛ فالعرب قبل الإسلام عرفوا أنماطًا متعددة من الزواج، وكان المال جزءًا من العلاقة الزوجية. فجاء الإسلام ليحوِّل المهر من «ثمن للمرأة» إلى «حق مالي لها». وهذه نقلة مهمة جدًّا في سياق ذلك الزمن، لكن تسليع المرأة لم يختلف رغم تغير القصد والنية.

المشكلة لم تكن في أصل التشريع، بل في تحوله لاحقًا إلى معيار لقيمة المرأة نفسها؛ ففي بعض المجتمعات الخليجية تحديدًا، صار ارتفاع المهر تعبيرًا عن المكانة الاجتماعية، حتى تحولت المرأة — دون وعي — إلى موضوعٍ للمباهاة الاقتصادية، بينما كان القرآن يحاول نقل العلاقة من التملك إلى المودة.

يقول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:

«القوانين التي تنجح في زمن معين قد تصبح عبئًا إذا تغيرت أحوال الناس.»

وهذا ما يحدث حين تُنتزع الأحكام من ظروفها الاجتماعية، ثم تُفرض على مجتمعات مختلفة، وكأن الإنسان لم يتطور، وكأن الاقتصاد لم يتغير، وكأن المرأة ما زالت بلا استقلال مالي. إن المهر ليس «ركنًا أخلاقيًا» بقدر ما هو ترتيب اجتماعي مرتبط بطبيعة الاقتصاد القديم، حيث كان الرجل هو المنتج الوحيد تقريبًا، وكانت المرأة معزولة اقتصاديًا. أما اليوم، فقد تغيرت البنية الاقتصادية والتعليمية جذريًا، ما يفتح بابًا مشروعًا لإعادة النظر في فلسفة التطبيق، لا في قيمة الاحترام والكرامة المتبادلة.

الميراث: هل للذكر مثل حظ الأنثيين دائمًا؟

من أكثر الآيات تعرضًا للاقتطاع من سياقها قوله تعالى:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11]

كثيرون يتعاملون مع هذه الآية باعتبارها قاعدة مطلقة ونهائية، بينما الحقيقة أن نظام المواريث في القرآن أكثر تعقيدًا وتنوعًا من هذا الاختزال. ففي حالات عديدة ترث المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث بينما لا يرث الرجل شيئًا. هذا إن سلَّمنا بالفهم المستخدم.

لكن الأهم من ذلك أن الآية نفسها كانت جزءًا من إصلاح تاريخي هائل؛ فالمرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت تُحرَم أصلًا من الإرث، فجاء النص ليمنحها حقًّا لم يكن موجودًا «وهو ما يحتاج إلى التحقق والفحص والإثبات، لا إلى شيطنة ما كان». أي أن الاتجاه القرآني كان توسعيًا في العدالة، لا انكماشيًا، إن فُهِم القصد.

الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري رأى أن كثيرًا من الأحكام الاجتماعية في الإسلام ينبغي فهمها داخل «العقل التاريخي» الذي نزلت فيه؛ لأن النص — في نظره — يتفاعل مع الواقع ولا ينفصل عنه.

ولو تأملنا فلسفة الميراث زمن النزول لوجدنا أن الرجل كان ملزمًا اقتصاديًا بالنفقة والحماية والإعالة، بينما المرأة لم تكن مطالبة بذلك؛ ولذلك ارتبطت الحصة المالية بالوظيفة الاجتماعية. أما إذا تغيرت الوظائف وشاركت المرأة في الإعالة والعمل وتحملت مسؤوليات الحياة كاملة، فإن السؤال الفقهي والأخلاقي يصبح مشروعًا:

هل تبقى التطبيقات كما هي رغم تغير الواقع جذريًا؟

هذا السؤال لا يعني معارضة القرآن، بل محاولة فهم مقاصده الكبرى: العدل، والرحمة، ومنع الظلم.

الولاية على المرأة: حماية أم امتداد للذهنية القبلية؟

ربما لا توجد قضية أُسيء فهمها تاريخيًّا مثل قضية «الولاية».

فالقرآن لم يقدم المرأة بوصفها كائنًا ناقص الأهلية، بل خاطبها باعتبارها ذاتًا مستقلة: تبايع، وتجاهد، وتجادل، وتملك، وتختار.

لكن الثقافة القبلية العربية كانت تنظر إلى المرأة باعتبارها جزءًا من «شرف الجماعة»، لا فردًا كامل السيادة على ذاتها. وهنا تسرَّب العرف إلى التفسير، حتى أصبحت الولاية أحيانًا أداة للهيمنة لا للحماية.

الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل كتب في كتابه الشهير «The Subjection of Women»:

«أي علاقة تقوم على الوصاية الدائمة لا يمكن أن تنتج إنسانًا حرًّا».

وهذه العبارة تفتح سؤالًا عميقًا:

هل يريد الدين إنسانًا تابعًا، أم إنسانًا مسؤولًا؟

إن كثيرًا من تطبيقات الولاية المعاصرة ليست نصًا دينيًا بقدر ما هي استمرار للوعي الأبوي القديم الذي يخشى حرية المرأة؛ لأنها تهدد سلطته الرمزية.

وقد تنبه المفكر التونسي الطاهر الحداد مبكرًا إلى هذه الإشكالية حين قال:

«ما سُمِّي أحكامًا دينية في شؤون المرأة هو في جانب كبير منه عادات لبست لباس الدين.»

بين النص والإنسان

إن أعظم أزمة في تاريخ المسلمين لم تكن في النص، بل في تجميد النص داخل لحظة تاريخية واحدة، ثم تحويل تلك اللحظة إلى دين خالد.

لقد جاء الإسلام في مجتمع عبودي ولم يجعل العبودية ركنًا من أركانه، وامتد إلى المجتمعات القبلية ولم يجعل القبيلة مقدسة. ودخل المجتمعات الذكورية، لكنه فتح أبوابًا واسعة لحقوق المرأة قياسًا إلى زمنه في مجتمعات متعددة.

المشكلة أن كثيرًا من المسلمين توقفوا عند «بداية الحركة» ولم يكملوا اتجاهها.

الفيلسوف الإيراني علي شريعتي كان يقول:

«الدين إذا توقف عن تحرير الإنسان، تحوَّل إلى مؤسسة لحراسة الماضي.»

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل هذه الأحكام عربية؟

بل:

هل ما زلنا نفهم الإسلام بروح القرن السابع أم بروح المقاصد التي أرادت الارتقاء بالإنسان عبر الزمن؟

إن الدين الذي يخاف من الأسئلة يتحول إلى سلطة، أما الدين الذي يفتح باب التفكير فإنه يبقى حيًا.

ولعل أعظمَ وفاءٍ للإسلام ليس أن نكرر التاريخ، بل أن نواصل مشروعه الأخلاقي في تحقيق العدالة والكرامة والرحمة للإنسان، ذكرًا كان أو أنثى. فهل تُبخس حقوق أحدهما، وهما في الواجبات سواء؟