آخر تحديث: 12 / 8 / 2026م - 12:40 م

الوعي… بين الفضول واللقافة

محمد يوسف آل مال الله *

يعيش الإنسان في مجتمع لا يستغني فيه عن السؤال، فبالسؤال يتعلّم، وبه يطمئن، ومن خلاله تُبنى العلاقات وتُحل المشكلات. لكنّ السؤال نفسه قد يتحوّل إلى بابٍ للتجسس، أو وسيلةٍ لانتهاك خصوصيات الآخرين، إذا فقد ضابطه الأخلاقي. من هنا يختلط على كثير من الناس التفريق بين الفضول واللقافة، حتى أصبح كل مَنْ يسأل يُتهم بالتطفّل، وكل مَنْء يتحفّظ على خصوصياته يُتهم بالغموض أو التعالي، مع أنّ بين المصطلحين فرقًا كبيرًا لا يصنعه السؤال، بل يصنعه الوعي.

فالفضول في أصله ليس صفة مذمومة، بل هو من أعظم الدوافع التي أودعها الله تعالى في الإنسان لطلب العلم واكتشاف الحقائق. ولولا الفضول العلمي لما تقدّمت الحضارات، ولا اكتُشفت العلوم، ولا سأل المتعلّم معلمه، ولا اهتدى الجاهل إلى المعرفة. ولذلك دعا القرآن الكريم إلى السؤال حين يكون طريقًا للعلم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43].

أمّا اللقافة، فهي شيء مختلف تمامًا؛ فهي ليست حبًا للمعرفة، وإنّما رغبة في اقتحام حياة الآخرين، والبحث عمّا أخفوه، وتتبع أخبارهم، والتدخل فيما لا يعني الإنسان، ولو لم يترتب على ذلك نفع أو مصلحة. ولهذا وضع القرآن الكريم حدًا فاصلاً بين المعرفة المشروعة والتدخل المرفوض، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ… وَلَا تَجَسَّسُوا [الحجرات: 12].

من هنا فإنّ الوعي يعلّمنا أنّ كل لقافة هي فضول منحرف، وليس كل فضول لقافة.

إنّ الفضول يسأل ليفهم، أمّا اللقافة فتسأل لتعرف ما لا ينبغي معرفته. الفضول يبحث عن الحقيقة، بينما اللقافة تبحث عن الأسرار. الفضول يحترم حدود الآخرين، أمّا اللقافة فلا ترى للخصوصية قيمة. ولذلك كان رسول الله ﷺ يضع قاعدة أخلاقية عظيمة بقوله: ”من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه“. إنّها ليست دعوة إلى الانعزال عن الناس، وإنّما دعوة إلى أن يعرف الإنسان أين يقف، وما الذي يحق له أن يسأل عنه، وما الذي ينبغي أن يتركه لصاحبه.

غير أنّ الوعي لا ينصف طرفًا دون آخر، فهو لا يوجه السائل وحده، بل يوجه مَنْ يُسأل أيضًا. فكثيرًا ما يُظلم إنسان وُصف باللقافة، بينما كان قصده الاطمئنان أو تقديم المساعدة أو اكتساب المعرفة. وفي المقابل، قد يخفي المتطفّل نواياه خلف عبارات تبدو بريئة، فيبدأ بسؤال عابر، ثم ينتقل تدريجيًا إلى كشف تفاصيل الحياة الخاصة، حتى يجد نفسه قد تجاوز كل الحدود.

لذلك فإنّ الحكم على الإنسان بأنّه فضولي أو متطفّل لا ينبغي أن يكون حكمًا متسرعًا، لأنّ النيّات لا يعلمها إلّا الله، وإنّما يُستدل عليها بالقرائن والسلوك. فقد يكون السؤال نفسه مقبولًا من الأب مع ابنه، أو من الطبيب مع مريضه، أو من المعلّم مع تلميذه، لكنّه يصبح تعدّيًا إذا صدر من غريب لا تربطه علاقة أو مصلحة معتبرة. كما أنّ الإلحاح بعد اعتذار الطرف الآخر عن الإجابة، أو محاولة استدراجه للكشف عن أسراره، علامة واضحة على تجاوز حدود الأدب.

من أبرز صور الوعي أن يدرك الإنسان أنّ للآخرين حقًا في الصمت، كما أنّ لهم حقًا في الكلام. فلا أحد ملزم بأن يجيب عن كل سؤال، ولا يعد امتناعه عن الإجابة سوء خلق أو تكبّرًا، بل قد يكون حفاظًا على خصوصيته أو على خصوصية غيره. وكما أنّ من الأدب أن نحسن السؤال، فمن الأدب أيضًا أن نحسن تقبل الاعتذار عن الجواب.

وقد أرشد القرآن الكريم إلى احترام خصوصية الناس حتى في أدق التفاصيل، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا «النور: 27». وإذا كان الإسلام قد اشترط الاستئذان لدخول البيوت، فمن باب أولى أن يُستأذن قبل الدخول إلى أسرار القلوب وخصوصيات النفوس.

وعندما ننتقل إلى مدرسة الإمام الحسين نجد الوعي في أسمى صوره. فلم يكن يفتش عن نيات أصحابه، ولا يحرج المترددين، ولا يفرض نفسه على أحد. بل إنّه في ليلة عاشوراء جمع أصحابه، وأطفأ السراج، وأذن لمن أراد الانصراف أن ينصرف، رافعًا عنهم كل حرج، وكأنّه يعلّم الإنسانية أنّ الإيمان لا يُبنى بالإكراه، وأنّ الوفاء لا قيمة له إذا فُرض بالقوة.

إنّ هذا الموقف الحسيني العظيم يقدّم درسًا خالدًا في احترام حرية الإنسان وخصوصيته. فلم يقل الإمام : لماذا ترحل؟ ولم يشكك في نيات أحد، ولم يطالبهم بتبرير مواقفهم، وإنّما ترك لكل واحد منهم مساحةً يتخذ فيها قراره بنفسه. وهذا هو الوعي الحقيقي؛ أن تمنح الإنسان حق الاختيار، لا أن تحاصره بالأسئلة والضغوط حتى يكشف ما لا يريد كشفه.

ثم جاء موقف الحر بن يزيد الرياحي ليقدّم درسًا آخر. فعندما عاد تائبًا إلى الإمام الحسين ، لم يفتح الإمام ملفات الماضي، ولم يسأله عن كل ما فعل، ولم يطالبه بتفسير كل موقف، بل استقبله بكلمته الخالدة: ”أنت الحر كما سمتك أمك، وأنت الحر في الدنيا والآخرة“، فالوعي لا يفتّش في الجراح التي سترها الله بالتوبة، وإنّما يفتح أبواب الأمل لمن أراد الرجوع إلى الحق.

كما أنّ من روائع التراث الإسلامي أيضًا رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ، التي تعد مدرسةً متكاملة في بناء العلاقات الإنسانية. فعندما يتحدث الإمام عن حق الجليس، يعلّمنا حسن الإنصات، واحترام الحديث، وعدم إحراج الطرف الآخر، وعندما يتحدث عن حق الأخ، يجعل المؤمن سترًا لأخيه لا كاشفًا لعوراته، وعونًا له لا متتبعًا لزلاته. وهنا يتجلى الفرق بين مجتمع يبني الثقة، ومجتمع يقتات على الأخبار والأسرار.

كما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : ”ثمرة العقل مداراة الناس“، لأنّ العقل الواعي لا يقاس بكثرة ما يجمع من المعلومات عن الآخرين، وإنّما بحسن تعامله معهم، ومعرفته بما ينبغي أن يُقال، وما ينبغي أن يُترك، ومتى يكون السؤال مفتاحًا للخير، ومتى يصبح بابًا للفتنة.

إنّ الوعي يضع أمامنا ميزانًا دقيقًا للتفريق بين الفضول واللقافة. فإذا كان السؤال يحقق علمًا، أو يدفع ضررًا، أو يصلح شأنًا، أو يطمئن قلبًا، مع احترام خصوصية الطرف الآخر، فهو فضول محمود. أمّا إذا كان غايته إشباع حب الاطلاع، أو جمع الأخبار، أو كشف المستور، أو إحراج الناس، أو التدخّل فيما لا يعني الإنسان، فهو لقافة مذمومة، مهما تلطّف صاحبها في صياغة أسئلته.

لذلك فإنّ المجتمع الواعي ليس هو المجتمع الذي يمنع الأسئلة، بل هو المجتمع الذي يعلّم أبناءه كيف يسألون، ولماذا يسألون، ومتى يتوقفون عن السؤال. كما يعلّمهم أنّ حسن الظن بالناس عبادة، وأنّ احترام الخصوصية خلق، وأنّ الكرامة الإنسانية لا تقل حرمة عن المال والدم والعرض.

وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تفتح أبواب حياة الناس على مصاريعها، صار الوعي أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فليس كل ما نراه يحق لنا التعليق عليه، وليس كل ما نسمعه يحق لنا تداوله، وليس كل ما نجهله يجب أن نعرفه. فهناك أسرار يصونها الصمت، وعلاقات يحفظها التغافل، وقلوب يداويها حسن الظن.

ويبقى الميزان الذي يجمع كل ذلك هو قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83]. فحسن القول لا يقتصر على جمال العبارة، بل يشمل حسن السؤال، وحسن الاستماع، وحسن الجواب، وحسن السكوت أيضًا. فإذا اجتمع الوعي مع الأدب، تحوّلت الأسئلة إلى جسور للمعرفة، وتحوّلت العلاقات إلى واحات من الثقة والطمأنينة، وسلم المجتمع من خلافات كان منشؤها سؤالًا في غير موضعه، أو فضولًا تجاوز حدوده، أو لقافةً تنكّرت في ثوب الاهتمام.