آخر تحديث: 14 / 8 / 2026م - 8:20 م

للوجهاء قدوة في الأحساء

يوسف أحمد الحسن *

حينما كنت صغيراً أتنقل يوميا بين بيت الأُسرة في حي الكوت بالهفوف وشركتها مقابل مبنى بلدية الهفوف، كنت أمر في طريقي بشارع ضيق غرب الشارع الذي تقع فيه القيصرية، وموازٍ له. كان الطريق مليئاً بمحلات بيع المواد الغذائية كالحلويات والبسكويتات وأنواع المأكولات المعلبة. وعندما كنت أطالع وجوه الباعة فيه، كان هناك وجه يلفتني أكثر من غيره دون أن أعرف السبب. لكنني فهمت عندما أصبحت شابا وقرأتُ أكثر أنه يتمتع بما يسمى كاريزما يجعلك تنشد إليه، وترغب في الجلوس إليه والاستماع لحديثه.

هو الحاج طاهر بن علي الغزال رحمه الله «1345-1438 هـ» الشخصية الاجتماعية البارزة في الأحساء والذي يعرفه الجميع لا لشيء إلا أنه كان يحرص على تلمس احتياجاتهم والسعي لتحقيقها إما من طرفه هو أو عبر السعي من أجلها لدى المسؤولين.

تعرفت عليه في البداية عبر ابنه المهندس مصطفى زميلي في الدراسة منذ المرحلة الابتدائية في مدرسة الإمام علي، ثم في متوسطة الأندلس، فثانوية الملك خالد، وبعدها كزميل غرفة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران لخمس سنوات وفي نفس التخصص.

ولأنه كان انجذاب متبادل أو ما يسمى كيمياء بيننا فقد كان لدي انجذاب مماثل لوالده رحمه الله الذي زارنا عدة مرات في سكن الجامعة، كما قابلته وجالسته في عدة مناسبات، كان فيها متميزا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقبلها كنت ألاحظ بعض أنشطته الاجتماعية، وحضوره المستمر إلى مسجد الكوت القريب جدا من بيتنا، حيث كان يؤم المصلين فيه كل من الشيخ أحمد البوعلي وبعده الشيخ حسن المتمتمي رحمهما الله.

وقد عُرف الحاج أبو جعفر بتواصله المستمر مع كبار المسؤولين في الأحساء وفي الدمام وحتى لقاءات مع عدد من ملوك المملكة كان يستثمرها في حل بعض مشكلات الناس أو في تسهيل اعتماد بعض المشاريع في الأحساء، ساعده في ذلك كونه عضوا في المجلس البلدي في الأحساء لدورتين متتاليتين. كما كان يرأس كثيراً من الوفود التي كانت تنطلق من الأحساء للمشاركة في المناسبات الوطنية أو للحديث مع كبار المسؤولين عن احتياجات المنطقة. ولذلك فقد كان الناس يلجؤون إليه حينما يقعون في مشكلات وتنسد أمامهم السبل. وقد كان المسؤولون يقبلون شفاعته في بعض المواطنين الذين يقعون في مشكلات، ثقة منهم فيه وفي حكمته في النظر إلى الأمور.

كما كانت لديه علاقات قوية بعدد من علماء الدين من مختلف الأطياف منهم الشيخ محمد الهاجري رحمه الله والشيخ علي بن شبيث وغيرهم. وحتى عندما تقدم به العمر كان حريصا على إبداء رأيه في الكثير من المسائل الاجتماعية محاولا حلها قدر الإمكان، موظِفاً في ذلك نفوذه الاجتماعي والقبول الذي يحظى به لدى مختلف الشرائح الاجتماعية. ولذلك فلم أتفاجأ حين قرأت الكتاب الذي كتبه عنه الأستاذ سلمان الحَجي «سيرة نخلة» ويقع في 301 صفحة، وما ورد فيه من معلومات زاخرة وشهادات حية عنه من قبل وجهاء وشخصيات وعلماء الأحساء. فهذا الرمز الكبير من رموز الوطن يستحق أكثر من كتاب بما قدمه لمجتمعه ووطنه من خدمات، وجدير بأن يكون قدوة للوجهاء المعاصرين في بذل الجهود من أجل تطوير وإنماء الوطن، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وصدق الشاعر الكبير الأستاذ حسن بن محمد الباذر حين قال في ديوانه انثيالات «الذي اطلعت عليه وهو تحت الطبع حالياً»:

فتعطي دون مَنٍّ دون فضلٍ
ولا تستكثرنَّ المعطياتِ

كأغراسِ النخيلِ بأرضِ ”هجْرٍ“
تجودُ بتمرِها للكائناتِ

قريبٌ من همومِ الناسِ دومًا
بعيدٌ عن عمومِ الشائعاتِ

فعونُك للضعيفِ بلا انقطاعٍ
يدٌ بيضاءُ تمنحُ دونَ هاتِ

كأنَّ القاصدين لكم ضيوفٌ
وأنتمْ مثل ”حاتمَ“ في الهباتِ