يوسف أنيس.. أيقونة الحب والجمال والأخلاق
«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ، وَأَحَاطَ بِي مِنْ قَضَائِكَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْ صَبْرِي عَلَى بَلَائِكَ ثِقَةً بِكَ، وَرِضَاً بِقَدَرِكَ، وَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَ الْمُصِيبَةِ، وَخُلُفَهَا بِخَيْرٍ مِنْكَ».
كان يوم السبت يوماً عادياً من أيام الأسبوع، لكن بعد فقد يوسف، رحمه الله، أصبح يوماً مختلفاً تماماً. في ذلك اليوم طويت صفحة من صفحات الطفولة بأمر الله سبحانه وتعالى، قضي الأمر، ورُدت الأمانة إلى خالقها. «يوسف أنيس.. إلى رحمة الله ورضوانه».
قالها الطبيب بوجه حزين، وكأن الكلمات أثقلت لسانه، فقد كان أمام فقد شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.
حينها، ومن شدة الصدمة، استرجعت شريط حياتي معه، منذ اللحظة التي رأى فيها النور، وحتى بلغ السادسة عشرة ربيعاً. صرخت في أعماقي: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
هل ما أعيشه حلم أم حقيقة؟ كان العقل في حالة من الذهول، فقبل ساعة فقط كان معي، يضحك ويتحدث، ثم تبدل كل شيء في لحظة واحدة.
وقبل أن أستوعب ما حدث، سمعت صوتاً من خلفي يقول:
«أذكر الله، وقل: لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون» ثم ربت على كتفي.
أفاق عقلي من سُكره، وتطايرت روحي في أرجاء المستشفى، تبحث بين أرواح الراحلين عن روح ابني يوسف. وجدتها تنتظر قدومي، كعادتها، ولكن هذه المرة على سرير المستشفى في غرفة الطوارئ.
اقتربت منه، أخذت أشمه وأقبله، وأحدثه بصوت مكسور:
استعجلت الرحيل يا حبيبي..
رحلت من دار الفناء إلى دار البقاء.
قلت له، وكأنني ألقنه ما أحب أن يكون آخر عهده بالدنيا:
قل: الله الكريم ربي، والإسلام ديني، والحق يقيني، والصراط مجازي، والجنة مسكني، والقرآن كتابي ومحمد ﷺ نبيي، وفاطمة الزهراء سيدتي ومولاتي، وعلي بن أبي طالب إمامي، والحسن والحسين وذرية الحسين من ولده أئمتي، والحجة عجل الله فرجه الشريف إمامي.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوت أذان المغرب يواسيني:
الله أكبر... الله أكبر.
رددته معه وأنا أحتضن روحي المكسورة:
الله أكبر تكبيراً، والحمد لله كثيراً.
وبينما كنت في تلك الحالة، أعادني شريط الذكريات إلى الوراء، إلى لحظات عشناها مع يوسف، لحظات لم نفهم معناها حينها، ولم ندرك قيمتها إلا بعد أن فاضت روحه الزكية إلى خالقها.
في ذلك اليوم، كنا نتناول طعام الإفطار في المنزل. وبدون سابق إنذار، فتحت هاتفي وأخذت أستعرض أمامهم بعض الذكريات المصورة، صوراً لنا في المطاعم، وفي الأسواق، وفي المنزل، وفي رحلتنا الأخيرة إلى جبال السودة.
وبعدها قال يوسف: لا تنسى، اليوم بروح التمرين.
لم يكن يوم السبت من عادته أن يذهب إلى التدريب، لكنه أراد الذهاب، حباً في رياضة المبارزة بالسيف، ورغبة قوية في الاستعداد للبطولة التي كان يحلم بها.
قال لي وإبتسامة التفائل تملئ وخديه..
لقد طلب منا المدرب أن نشتري بدلة المبازرة الخاصة بنا..
وما علمت أنني سأشتري لك كفناً قبل بدلة المبارزة..
ثم قال: ولا تنسى، راح نمر على حسين، وكان حسين صديقه الذي أحبه يوسف كأخ له.
ولأنه كان ابني المدلل، قلت له: أنت تامر، طال عمرك.
لم أكن أعلم أن تلك الكلمات البسيطة ستصبح بعد رحيله من أغلى ما أحتفظ به في ذاكرتي.
توجهنا إلى النادي، فتحت هاتفي في الطريق على تطبيق يوتيوب، وإذا بي أختار قصيدة «أجمل حب للرادود علي سعيد الوائلي».
استمعنا إليها معا، وكانت كلماتها تتحدث عن الحب الفطري، والحب المرتبط بالروح والذكرى والوفاء.
”يالمحبوب بلا مكتوب عشت وياك أجمل حب.. يالخضر حبك بيه أغصان الإنسانية.. قاموس الحب الفطري.. مربوط أسمك وي عمري.. أو نسمة المتافرق صدري.. لو هجي غرام.. لو نبضي حرام.. حبك فاق الأسطوره.. وراسم بعيوني الصوره.. وردة بصحنك منثورة.. بالشوق اتفوح يا روح الروح.. اسرار الحب عديدة.. بس يمكن مو بعيدة.. سرك دمعه ابقصيدة.. تشرح كل الحكاية.. حبيتك حب براءة.. عين التعشك إضاءة.. حب الناذر دماءه.. يعرف أصل الرواية.. مثل الماي عشت أوياي.. يعني أنقول أجمل حب...“
كان اختياراً عابراً في تلك اللحظة، لكنه بعد رحيل يوسف لم يعد عابراً في قلبي.
فأهل البيت
هم قدوتنا وأسوتنا وسلوتنا، ومن محبتهم نتعلم معنى الوفاء، ونستلهم الصبر في مواطن الفقد والابتلاء.
أحيانا لا ندرك قيمة بعض اللحظات إلا بعد أن تصبح ذكريات. نعود إليها بعد سنوات، وكأن شريط الزمن يعيد تشغيلها أمامنا، فنكتشف فيها معاني لم نرها يوم عشناها.
وما حدث مع يوسف، من استعراض الصور، وحديثه عن التمرين، ومروره على صديقه، ثم اختيار تلك القصيدة في الطريق، أصبح بعد رحيله يحمل في قلبي معنى أعمق.
إيمانيا، نحن نؤمن أن كل شيء يجري بعلم الله وتقديره، لكننا لا نستطيع أن نجزم بأن هذه الأحداث كانت رسائل غيبية تخبرنا بما سيحدث.
وربما كان لطف الله بنا أن منحنا تلك اللحظات دون أن نعلم أنها ستصبح لاحقا من أثمن ما نحمله من ذكريات.
فليست الرسالة بالضرورة: انتبه، فالفراق قريب.
بل ربما كانت: استمتع بمن تحب، واحفظ أثره، واشكر الله على اللحظات التي جمعتكما.
وبعد الرحيل، يتحول الحب من حضور نراه بأعيننا إلى دعاء نرفعه إلى الله، وصدقة نهب ثوابها، وذكرى نحفظها، وعمل صالح نهدي ثوابه.
وهكذا، قد لا نفهم الحكمة في لحظتها، لكننا نتعلم أن:
الله يعلم ونحن لا نعلم، وأن بعض النعم لا ندرك قيمتها إلا حين تصبح ذكرى.
توافد المعزون لتقديم واجب العزاء، مشكورين، أفواجاً من مناطق مختلفة من المنطقة الشرقية والبحرين، فضلاً عمن قدّم العزاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي من دول عدة، ومن خلال الرسائل والاتصالات.
كل من عرف يوسف عن قرب، من زملائه، ومعلميه، ومدربيه، واللاعبين الذين رافقوه في مسيرته، شهد له بحسن الخلق.
وكل من رأى صورته، شهد له بجمال الروح.
قال لي أحد المعزين:
لا تحزن على فقد يوسف لصغر سنه، فقد كان مثلاً أعلى في حسن الخلق. كان متفوقاً، مثابراً، يسعى لتحقيق حلمه. لقد كان أيقونة للحب والجمال والأخلاق.
كانت تلك الكلمات تلامس شيئاً أعرفه جيداً عن يوسف، لكنني ربما لم أكن أراه بالصورة التي أراها اليوم.
ومن الجانب الخفي من شخصية يوسف، أود أن أكشف لكم شيئاً ربما لا يعرفه الكثيرون عنه.
كان يوسف يحب الرسم منذ صغره.
طوّر نفسه بنفسه، وكان يأخذ بنصائح معلميه في المدرسة، ويصر على تقديم وإحضار كل ما يطلبه منه الأستاذ من أدوات فنية وأعمال.
وكان يتابع برامج تعليم الرسم على قنوات يوتيوب، ويتعلم منها باستمرار.
كان يحلم بأن يكون له متجر إلكتروني يبيع فيه لوحاته ورسوماته.
كان يحلم بسلك المسار الصحي بعد تخرجه من الثانوية.
وكان ماهراً في التعامل مع قطع الليغو، يقرأ خرائط الرسم والتركيب ويفهم تفاصيلها بدقة.
وكلما اشتريت قطعة أثاث جديدة أو جهازاً يحتاج إلى الفك والتركيب، كنت أجعله مهندساً يشرف على عملي!
كان يقف بجانبي، يتابع الخطوات، ويقرأ التعليمات، ويصحح لي أحياناً ما أفعله.
كان يعد أفتطاره بنفسه، ويغسل ملابسه، كل هذا والأبتسامة لا تفارق محياه.
أجزم أنني لم اسمعه يوماً قال أو تفوه بكلمة «أووف».
وأذكّركم هنا:
أنا أتحدث عن ملاك لم يتجاوز السادسة عشرة من ربيعه.
ملاك اسمه:
يوسف أنيس آل دهيم.
كتب الله له أن يترك أثراً أكبر من سنوات عمره، وأن يسجل اسمه في ذاكرة من عرفه، لأنه حلم بأن يكون بطلاً في رياضة المبارزة بالسيف، ومضى نحو حلمه بخطوات ثابتة، حتى وافته المنية وهو يسعى إلى تحقيقه. رحل مجاهداً وعاش جميلاً خلقاً وديناً.
لم يصل يوسف إلى البطولة التي كان يحلم بها في الدنيا، لكنني أؤمن أن هناك بطولات أخرى لا تُقاس بالميداليات ولا بمنصات التتويج.
هناك بطولة الأخلاق.
وبطولة الحب.
وبطولة الوفاء.
وفي هذه البطولات، ترك يوسف أثراً لا يموت.
واليوم رحل حبيبي يوسف...
لكن لم يرحل كله.
بقي خلقه، وبقيت ابتسامته، وبقي ذكره، وبقي حلمه...
وبقيت صوره، وبقيت تفاصيله الصغيرة التي أصبحت اليوم كنوزاً في ذاكرتنا.
بقيت كلماته.
وبقيت ضحكاته.
وبقيت تلك اللحظات التي لم نكن نعلم أنها ستكون الأخيرة.
رحل يوسف عن عمر ستة عشر ربيعاً، لكن عمر الإنسان لا يُقاس دائماً بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تركه في قلوب من عرفوه.
وقد عاش يوسف عمراً قصيراً، لكنه ترك أثراً كبيراً.
رحل قبل أن يرى حلمه مكتملاً، لكنه ترك لنا حلماً آخر: أن نحفظ سيرته، وأن نروي قصته، وأن نجعل من أخلاقه وحبه وطموحه قدوة لجيله وللأجيال القادمة.
رحمك الله يا يوسف، يا حبيبي، ويا قطعة من روحي.
رحلت من أمام أعيننا، لكنك لن ترحل من قلوبنا وعقولنا.
وسيبقى اسمك حاضراً في كل صورة، وفي كل زاوية وركن، وفي كل ذكرى، وفي كل دعاء، وفي كل حلم كنت تتمنى أن تحققه.
وسيبقى عطرك فواحاً عطراً مع كل نسمة نشمها في البيت، وفي النادي، وفي طرقات المدينة.
رحمك الله يا يوسف، وجعل مقامك مع محمد وآل محمد، وحشرك معهم، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وألهمنا الصبر والسلوان على فراقك.
وإن كان الفراق قد أخذ منك جسدك، فلن يستطيع أن يأخذ منك أثرك.
نم قرير العين يا حبيبي...
فقد تركت خلفك من الحب ما يكفي لعمرٍ طويل.
وسيظل يوسف أنيس آل دهيم... ستة عشر ربيعاً من الجمال، وحلماً كبيراً لم يمت.
فالحمد الله رب العالمين.
ومن أب أوجعه الفقد..
إلى كل أب، وإلى كل أم...
لا تؤجلوا الحب.
لا تقولوا: «سأعبر له عن حبي عندما يكبر»، ولا تنتظروا مناسبة حتى تحتضنوا أبناءكم، ولا تجعلوا مشاغل الحياة تسرق منكم أجمل ما فيها.
احتضنوا أبناءكم اليوم، قبل أن يصبح احتضانهم ذكرى.
ضعوا أبناءكم في صدوركم، وقبّلوهم، وامسحوا على رؤوسهم، وقولوا لهم إنكم تحبونهم.
اجلسوا معهم، اسمعوا أحاديثهم الصغيرة، شاركوهم ألعابهم، اضحكوا معهم، وكونوا قريبين منهم في أفراحهم وأحزانهم.
فالطفل لا يحتاج إلى المال والهدايا بقدر حاجته إلى أب يشعره بالأمان، وأم تمنحه الحنان، وبيت يعرف فيه أنه محبوب، وأن وجوده له قيمة.
ولا تستهينوا باللحظات البسيطة.
صورة عابرة في مطعم، ضحكة في السيارة، رحلة قصيرة، جلسة عائلية، مباراة، تمرين، كوب شاي، أو حتى صورة جماعية عادية قد تبدو لكم اليوم لحظة لا تستحق التوثيق.
لكنكم قد تكتشفون بعد سنوات أن تلك الصورة أصبحت كنزاً.
صوروا أبناءكم. وثقوا أيامهم. احتفظوا بضحكاتهم، ونجاحاتهم، ولحظاتهم الصغيرة.
ليس حباً في الصور فقط، وإنما لأننا لا نعرف أي لحظة ستكون آخر لحظة.
احتفظوا بمقاطع أصواتهم، بكلماتهم، برسوماتهم، برسائلهم، وبكل ما يصنع تفاصيل حياتهم. فالأيام تمضي سريعاً، والأطفال يكبرون، وما نراه اليوم أمراً عادياً قد يصبح غداً أغلى ما نملك.
وأقول لكل أب وأم: لا تجعلوا أبناءكم يبحثون عن الحب خارج بيوتكم.
اجعلوا البيت أول مكان يجدون فيه الأمان، وأول حضن يلجؤون إليه، وأول قلب يصدقهم، وأول يد تمتد إليهم حين يتعثرون.
قولوا لهم.. أحبك.. كثيراً.
احتضنوهم كثيراً.
سامحوهم كثيراً.
واجلسوا معهم كثيراً.
فقد يأتي يوم نبحث فيه عن حضنٍ كان متاحاً لنا كل يوم، فلا نجده.
وقد نشتاق إلى صوتٍ كان يملأ البيت ضحكاً، فلا نسمعه.
وقد نتمنى لو أن الزمن يعود بنا دقائق فقط، لنضم أبناءنا إلى صدورنا مرة أخرى، ونقول لهم:
«أحبك يا ابني... أحبك يا ابنتي».
تعلمت من يوسف أن أعظم النعم ليست دائماً الأشياء الكبيرة التي نخطط لها، وإنما تلك اللحظات الصغيرة التي نعيشها دون أن ندرك قيمتها.
فلا تؤجلوا الحياة الجميلة إلى الغد.
احتضنوا أبناءكم اليوم.
صوّروا وجوههم اليوم.
اسمعوا ضحكاتهم اليوم.
قولوا لهم إنكم تحبونهم اليوم.
فالغد بيد الله، ونحن لا نملك إلا هذه اللحظة.
وإن كان لي أن أترك نصيحة واحدة لكل أب وأم، فهي:
لا تجعلوا آخر حضن بينكم وبين أبنائكم حضناً تتمنون لو أنكم أطلتُم فيه.
احتضنوهم الآن... فبعض الأحضان تصبح بعد الفراق وطناً لا نستطيع العودة إليه.
رحم الله من قرأ سورة الفاتحة إلى روح حبيبي.. يوسف أنيس.. وإلى ارواح المؤمنين والمؤمنات
وإنا لله وانا اليه راجعون.


















