آخر تحديث: 16 / 8 / 2026م - 10:53 م

”الظالم والمظلوم“.. بين ”الأكشن“ وتقديس القيم

سلمان محمد العيد

قصة الفيلم:

فيلم «الظالم والمظلوم»، فيلم عربي تم عرضه عام 1989، واستمر عرضه حتى عام 1999، وهو من تأليف فاروق صبري، وإخراج حسام الدين مصطفى نقلًا عن فيلم «آخري راستا» الهندي، وقام ببطولته النجم العربي نور الشريف.

ويُصنَّف هذا الفيلم ضمن الأفلام التجارية ذات الصبغة الانتقامية العنيفة، ويحكي قصة شاب مخلص في عمله في الميناء، وهو جابر الونش «نور الشريف»، الذي اقترن بفتاة جميلة تدعى بدور «إلهام شاهين»، التي تعرّضت لعملية غدر من شخص نافذ في الاتحاد الاشتراكي يدعى سالم «يوسف داوود»، الذي حاك مؤامرة للانفراد بهذه الفتاة المتزوجة، بالتعاون مع كل من برقوقة «فاروق نجيب»، والقوسي «جمال إسماعيل»، والطبيب نزيه «أحمد عبدالهادي»، فتم استغلال غياب جابر في رحلة عمل خارج الإسكندرية لتُنفَّذ المؤامرة، ويتم اغتصاب الفتاة من قِبل عضو الاتحاد الاشتراكي، الذي صار نائبًا في البرلمان «سالم»، ومن ثم التخلُّص منها بإلقائها من شاهق، لتفارق روحها الدنيا. لم يكتفوا بذلك، بل شهدوا على أن من قتلها هو زوجها «جابر»، ليبقى في السجن 25 عامًا، تاركًا ابنه الوحيد مرسي لدى صديق عمره إبراهيم النص «حسن حسني»، وبعد قضاء تلك المدة جاء ليصفي حساباته ويقتل ظالميه شرَّ قتلة، ليلقى حتفه مقتولًا أيضًا.

وخلال مدة سجنه جرت تطوّرات اجتماعية واقتصادية وسياسية:

أولها: أن ابنه الذي تركه مع صديقه صار ضابطًا يُشار إليه بالبنان، وهو مرسي «نور الشريف»، الذي تم تسجيل اسمه باسم صاحبه إبراهيم النص، ولم يعد ابنًا للسجين جابر، وحتى صديق عمره إبراهيم النص لم يعد عاملًا في الميناء، بل بات من أصحاب المشاريع؛ فلديه مطعم أسسه من خلال سفره في بلدان عربية مختلفة.

ثانيها: إن العصابة التي تآمرت على قتل زوجته، وتلفيق التهمة عليه، باتت من ذوي النفوذ في البلاد؛ أحدهم بات نائبًا في البرلمان «سالم»، والآخر بات ذا منصب في القطاع الصحي «نزيه»، والثالث صار من كبار رجال الأعمال «الكوصي»، وتغيرت أحوال برقوقة المتسول، وبات في وضع مادي أفضل، بالتصاقه بالكوصي والنائب سالم.

ثالثها: لقد أُلغي الاتحاد الاشتراكي، وباتت البلاد برلمانية، فغريمه ليس عضوًا في الاتحاد الاشتراكي، بل بات نائبًا في البرلمان.

فلم تعد الرغبة في الانتقام موجهة لعصابة ذات مستوى متواضع، بل هو يقارع نخبة، أُضيف إليهم جهاز الشرطة، وعلى رأسهم ابنه مرسي.

وقصة الفيلم، كما تبدو، لا تختلف كثيرًا عن تلك الأفلام التي تتناول مسألة الانتقام، والتي شهدناها في الدراما العربية والهندية، فهو لا يختلف عن فيلم الأبطال «بطولة أحمد رمزي وفريد شوقي»، ولا فيلم دائرة الانتقام «بطولة نور الشريف أيضًا»، والفيلم على كل حال نسخة طبق الأصل من فيلم آخري راستا لعملاق السينما الهندية أميتاب باتشان، مع بعض التعديلات.

هذا من حيث الإجمال، ولكن من حيث التفصيل فالحديث يأخذ بُعدًا آخر.

القيم الاجتماعية في الفيلم:

من خلال مشاهدة الفيلم الذي استغرق 120 دقيقة، نجد أن عددًا من القيم قد تم عرضها في هذا الفيلم، الذي يصنف من وجهة نظر خاصة من أفلام العنف والعنف المضاد، ويدخل ضمن قائمة أفلام الانتقام وتصفية الحسابات.

أولى تلك القيم هي قيمة «الحب» التي لا تخلو منها كافة الأعمال الدرامية العربية وغير العربية، لكن الحب يبدو قويًا، وقد يتجاوز حدوده الطبيعية المعقولة، لكنّه يجسد حقيقة النفس الإنسانية. ومن مصاديق الحب في هذا الفيلم «حب جابر الونش لزوجته بدور»، وحب إبراهيم النص لصديقه جابر الونش، وحب الضابط مرسي لخطيبته سارة. فقد وجدنا مواقف في الفيلم تقدس هذه القيمة الإنسانية، لعل من أبرزها وأشدها تأثيرًا هو أن جابر الونش، وخلال مطاردة ابنه الضابط مرسي الراغب في إلقاء القبض عليه، حتى أنّه أصابه برصاصة في كتفه، وحينما رآه قد اصطدم بسيارته بالشجرة، اندفع بعاطفة الأبوة لإنقاذه. كما أن الفيلم حوى مواقف تجسد الحب بين إبراهيم النص والضابط مرسي، وبين هذا الأخير وخطيبته سارة، وهي ابنة قاتل والدته.

وثاني هذه القيم، قيمة الارتباط بالأسرة، فقد وجدنا جابر الونش متفاعلًا مع العمل، يريد إنهاء عمله ليعود إلى كنف زوجته. كذلك الحال مع إبراهيم النص الذي أخذ ابن صديقه وكوّن له أسرة معه مليئة بالحب والحنان. فالارتباط بالأسرة يؤدي إلى تقديم نماذج مُنتِجة.

وثالثًا: قيمة احترام المنصب والمهنة، وقد وجدنا ذلك في الضابط مرسي الذي لم يتردد في مطاردة والده الأصلي «جابر الونش»، وإلقاء القبض على والده الفعلي «إبراهيم النص»، وهو يقوم بالتحقيق في القضية.

وقد جاء عرض هذه القيمة بصورة مباشرة في الفيلم، والأمثلة المذكورة شواهد على ذلك، لكنّه عرضها بطريقة معاكسة من خلال عرض النموذج السلبي الذي لا يحترم موقعه ولا مهنته، والشاهد على ذلك هو ذلك البرلماني والتاجر والطبيب، وكلّهم وقفوا مع الباطل ضد الحق، فكانوا نموذجًا سيئًا لعناصر إيجابية في المجتمع.

ورابعًا: قيمة الشرف، فقد انتفض جابر الونش لشرفه وشرف زوجته، التي لم تستسلم لمن أراد النيل منها، لكنّها أرغمت على ذلك، ولم تلذ بصمتها، بل أخبرت زوجها بظالميها، فكانت ضحية لهذا الفعل، إذ تم قتلها بإلقائها من شاهق.

وخامسًا: قيمة العدل، وهي قصة الفيلم، فهو يرفض الظلم بشتى أشكاله، فأولها ظلم ذلك النائب لذلك المواطن، والاعتداء على شرف سيدة عفيفة، ثم ظلموا زوجها، وكان عاقبة ظلمهم له هو السجن 25 عامًا، وكانت عاقبة فعلهم هي القتل، وكأنما الفيلم يريد القول: «بشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين».

وسادسًا: هناك قيمة أراد الفيلم التركيز عليها، وهي قيمة النزاهة، وقد عرضها بشكل إيجابي في جابر الونش قبل السجن، وبصورة معاكسة للانتهازي برقوقة الذي يبيع ضميره وأخلاقه من أجل المال، فهو يسرق ويقتل لمن يعطي أكثر.

وسابعًا: جاء الحديث عن بعض الأخلاقيات التي نجد أن مجتمعاتنا المعاصرة بحاجة إليها، منها:

الحلم عند الغضب:

فنجد أن جابر الونش في لحظة غضبه طلب من صديقه أن يقتل ابنه الصغير، أو يجعل منه مجرمًا، لا ضابط أمن في الدولة، وذلك لوجود حالة غضب شديدة تجاه من هم في مواقع حساسة في البلد.

الإخلاص للصداقة:

ونموذجه في هذا الفيلم هو إبراهيم النص، الذي أخذ ابن صديقه وسمّاه باسمه، وسافر معه لأكثر من دولة عربية، ورفض أن يقترن بزوجة، وقام بتعليم هذا اليتيم وتقديمه قيمة مضافة للبلاد.

احترام القانون:

وهو هدف أراد الفيلم أن يؤكد عليه، من خلال عرضه للنماذج التي خالفت القانون الإلهي، وهي حرمة الزنا والاغتصاب، وحرمة القتل والانتهازية، فضلًا عن سلبية أخذ الحق باليد، فالبلاد لها قانون ولها جهات يُفترض أن تمنح الناس حقوقهم، ولكن في غياب هذه السمة في أي دولة فسوف يظهر مثل جابر الونش ويأخذ حقه بيده.

كل هذه القيم والأخلاقيات «سلبًا أو إيجابًا» عرضها الفيلم بطريقتين، إما بالشكل المباشر، أو بعرض النقيض، ومن الواضح أن الفيلم يريد تعزيز الجانب الإيجابي ورفض السلبي، ولا حل كما نرى إلا بهيبة الدولة وعدالتها.

تأثير الفيلم على الجمهور:

لقد عرض الفيلم لأكثر من عشر سنوات، ويحظى بسمعة جيدة ومشاهدة من قبل المشاهد العربي لعوامل عدة:

يحاكي الفيلم سيكولوجية الجماهير العربية التي تنشد العدالة، وتتطلع لزوال المجرمين والانتهازيين، وقد شهدنا في فترات الربيع العربي عددًا من الانتفاضات التي تنشد هذا الأمر، والفيلم يحاكي هذه الخلجات الذاتية لدى المواطن العربي.

كما يحاكي الفيلم الرغبة لدى الجمهور العربي «بشتى فئاته» في وضع اليد على مصدر الفساد، الذي يتمثل في النخبة وليس في الجمهور، ومن ينقل الحديث عن سلبية لدى الشعوب بشكل عام يكون قد جانب الحقيقة بكل تأكيد.

الفيلم لم يقل إن الفساد محصور في جهة واحدة، بل أكثر من جهة، فهناك التاجر الفاسد، والطبيب الفاسد، والسياسي الفاسد، وهذا الأخير هو الأشد خطرًا، لكونه يملك السلطة.

كما أن الفيلم جاء تحذيريًا ليقول بأن غياب العدالة يؤدي إلى ردة فعل لدى الجمهور، فيضطر لأن يأخذ حقه بيده، كما فعل جابر الونش.

وبصورة أخرى يمكن القول بأن الفيلم:

دعا النخب إلى أن تحترم المواقع والمناصب التي هي فيها، فهي مسؤولية أمام الخالق، وأمام المخلوقين، فلا ينبغي لمن يرشح نفسه للانتخابات البرلمانية أن يكون فاسقًا مغتصبًا داعيًا للقتل.

دعا الجمهور إلى أن يرفض الظلم، ويقدس العدالة، حتى لو بقوة اليد.

ودعا السلطة إلى أن تدعم النموذج الفذ والإيجابي مثل الضابط مرسي، بخلاف البرلماني سالم، الذي يستحق أن يُحال إلى المحاكمة.

العناصر الفنية في الفيلم:

الحوارات جادة ومباشرة في الغالب.

الإخراج ينطوي على لمسة إبداعية، منها على سبيل المثال سقوط برقوقة من الدور الخامس عشر، وطعنة جابر الونش في صدر البرلماني الفاسد سالم، وكذلك الرصاصات التي طالت صدره في آخر لقطة في الفيلم، كلّها كانت تضع المشاهد في أجواء قريبة من الواقع.

ويبقى أن العوامل «القصة والحوار والأبطال»، فضلًا عن المناظر والموسيقى التصويرية، قد تناسقت في هذا الفيلم الذي استمر عرضه لعشر سنوات، وحقق إيرادات بلغت حينها 56,217 جنيهًا حسب إحصاءات المواقع الإلكترونية، والله العالم.

وقفة ممتعة مع فيلم «الظالم والمظلوم».