آخر تحديث: 18 / 8 / 2026م - 3:00 م

المرحوم السيد علوي الشويكي.. نموذج للصبر وتحمل المسؤولية

حسين الدخيل *

قال الله تعالى في كتابه المجيد:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157] صدق الله العلي العظيم.

المرحوم السيد علوي السيد كاظم الشويكي من أبناء بلدة القديح الذين تركوا أثرًا طيبًا في نفوس من عرفهم، لِما تحلَّى به من صبر وإيمان وحسن خلق، ولما قدَّمه من خدمة لأهل البيت رغم ما واجهه من ظروف صحية واجتماعية صعبة.

عانى الفقيد لسنوات طويلة من مرض السكلسل، وهو فقر في الدم، ذلك المرض الذي رافقه منذ سنوات شبابه وأثّر على صحته وحركته، إلا أنه واجه آلامه بصبر المؤمن ورضاه بقضاء الله وقدره.

وذلك انطلاقًا مما ورد عن الإمام الباقر أنه قال: «من صبر واسترجع وحمد الله عند المصيبة فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم وأحبط الله أجره». [مشكاة الأنوار، ص 22].

فلم يكن المرض سببًا في توقفه عن أداء واجباته أو الابتعاد عن مجتمعه، بل كان مثالًا للعزيمة والإرادة وقوة التحمل.

ومن أصعب المحطات التي مر بها في حياته فقدانه والديه في سنٍّ مبكرة، الأمر الذي جعله يتحمل المسؤولية وهو لا يزال شابًا في مقتبل العمر. وقد واجه هذه التحديات بروح مؤمنة وشخصية قوية، فكان نعم الابن البار ونعم الأخ الحريص على أسرته، متحملًا أعباء الحياة ومتاعبها بكل صبر وثبات.

ولم تمنعه ظروفه الصحية ولا مسؤولياته الأسرية من مواصلة ارتباطه بخدمة أهل البيت ، حيث حرص على إقامة المجالس الحسينية والولائية في مجلسه الصغير المتواضع ببلدة القديح، المسمى باسم مأتم الطفل الرضيع، ليبقى هذا المجلس منارةً لذكر محمد وآل محمد .

وكان يستقبل الرواد والمحبين بوجه بشوش وقلب مفعم بالمحبة والإخلاص، إيمانًا منه بأهمية إحياء شعائر أهل البيت وأجدادهم الطاهرين ونشر قيمهم ومبادئهم السامية، انطلاقًا من الحديث الشريف الوارد عن الإمام الباقر وهو يخاطب الفضيل بن يسار، أحد أصحابه، ويقول له: «يا فضيل، أتجلسون وتتحدثون؟» قلتُ: بلى سيدي، قال: «إنّي أحبُّ تلك المجالس، فأحيوا فيها أمرنا، من جلس مجلسًا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب».

وكان الفقيد يحرص على استقطاب الشباب المبتدئين للقراءة بمجلسه لتشجيعهم وتحفيزهم على القراءة الحسينية وإكرامهم.

لقد جسَّد المرحوم السيد معنى الصبر الجميل والوفاء لرسالته الدينية والاجتماعية، فترك سيرةً عطرةً بين أهله وأصدقائه ومحبيه. وكان متواصلًا مع أفراد عائلته ومجتمعه، يزورهم ويحضر مناسبات الأفراح والأتراح رغم مرضه وتعبه، وفي بعض الأحيان يخرج من المستشفى وتكون مناسبة زواج أو فاتحة لأحد معارفه في اليوم نفسه، فيحرص على الذهاب لأداء الواجب تجاه ذلك الشخص، فهو راعي واجب، وصاحب شيمة وفزعة وكرم.

ومن المواقف التي سمعتها عنه وعن شيمته وفزعته للآخرين، إذ إن أحد الأصدقاء يخبرني بقوله:

تعبت وأنا أبحث عن شخص يكفلني؛ فأنا أحتاج إلى قرض لزواجي، ولم أحصل على أي شخص من أصدقائي ومعارفي وأقربائي، فكان الرد: المعذرة منك.

يقول هذا الشخص: كلمت السيد علوي لكفالتي، فرحب بالفكرة وقال: حاضر، من دون مهلة أو تفكير. وتمت الكفالة حتى انتهاء المدة. يقول: لن أنسى فضله ومعروفه وخدمته لي ما حييت، مع أن علاقتي به سطحية، فقط لأني حضرت مجلسه عدة مرات وتعرفت عليه.

وكان دائم الترحيب والابتسامة للآخرين. ويدعوك لمجلسه، ويرسل إليك موعد القراءة ويؤكد عليك الحضور، ويكون سعيدًا جدًّا إذا حضرت مجلسه.

في هذا الزمان من الصعب أن تجد إنسانًا يحمل صفات وأخلاق السيد علوي، هذا الإنسان صاحب الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة لا يموت أبدًا، بل يرحل من الدنيا بجسده، ولكن يظل مخلدًا، وتبقى ذكراه حاضرة في القلوب لِما عُرف عنه من تواضع وطيب معشر وحرص على خدمة الآخرين.

رحم الله الفقيد السعيد السيد علوي رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين، وجزاه خير الجزاء على ما قدّم من أعمالٍ صالحة وخدمةٍ مخلصة، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 156]