آخر تحديث: 20 / 8 / 2026م - 2:57 م

حول «العقار» الذي يمرض ولا يموت!

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

قرأت قبل مدة، كتاب ”الثقافات وقيم التقدم“ الذي حرره لورانس هاريزون وصمويل هنتنغتون. أراد المحرران الإجابة عن سؤال حرج في نقاشات التنمية: هل للثقافة العامة دور مؤثر في إنجاح - أو إعاقة - مشاريع التحديث الاقتصادي والاجتماعي؟

كانت نظرية التنمية الكلاسيكية تتبنى اتجاهاً معاكساً، خلاصته أن الثقافات التقليدية لن تصمد أمام تيار التحديث القادم على متن قطار التنمية الاقتصادية.

ولكن تجارب التنمية في كثير من المجتمعات غير الصناعية، أظهرت أن هذه الرؤية لم تكن صائبة تماماً، رغم القبول الإجمالي بأن الحراك الاقتصادي يؤدي قطعاً لتحولات ثقافية واجتماعية.

بعبارة أخرى، فإن أي ثقافة موروثة لن تنجو من التغيير، إذا بدأ الاقتصاد الوطني في التحول. ولكن هذا لا يجيب عن السؤال الجدِّي: هل ستنجح التنمية المستدامة إذا تعرضت لتحدي الثقافة العامة التقليدية؟ بات هذا السؤال أكثر إلحاحاً في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد إخفاق كثير من التجارب التنموية، جزئياً أو كلياً.

بين المساهمين في الكتاب ماريانو غروندونا. وهو صحافي وباحث من الأرجنتين. ولفت نظري تحليله لمفهوم ”الثروة“ في نوعين من المجتمعات: المجتمعات التي تسودها ثقافة تعارض التغيير، والمجتمعات التي تسودها ثقافة ترحب بالتغيير.

يقول غروندونا إن النوع الأول من المجتمعات ينظر للأصول المادية المتوفرة فعلاً كتجسيد حقيقي للثروة. أما النوع الثاني، فيرى أن الثروة الحقيقية هي تلك التي لم توجد بعد. وتطبيقاً لهذه الرؤية، فإن المجتمعات التقليدية تنظر للأرض وما تجود به وما يرتبط بها، كجوهر للثروة. هذا الفهم شائع جداً في الاقتصادات الزراعية.

وحتى لو تحولت للاقتصاد الحديث، فستبقى الأرض والمتاجرة بها رمزاً أعلى للثراء. المجتمع التقليدي يؤمن حقاً بمقولة إن ”العقار يمرض؛ لكنه لا يموت“. ولعل كثيراً منا قد سمع هذه العبارة أو مثيلتها. وهي تعبير عن ربط الثقافة التقليدية بين العقار والثروة.

أما المجتمعات المتقدمة، فترى الثروة الحقيقية كامنة في الابتكارات الواعدة، لا سيما تلك التي تحوِّل المعرفة إلى ثروة مادية. أي ما نسميه اقتصاد المعرفة، سواء كانت بحوثاً وأعمالاً إبداعية، أو كانت تقنيات تحوِّل المادة الميتة إلى منتَج مفيد، مثل كل الأجهزة التي نستعملها اليوم.

بشكل عام، فإن المجتمعات المقاومة للتغيير تنظر لما جربه أسلافها كمخزن للقيم، بينما المجتمعات التي تؤمن بالتغيير تفكر دائماً في إبداع أشياء لم تجرِ تجربتها من قبل.

دعنا الآن ننظر في تطبيق واقعي لهذه الرؤية في عالمنا المعاصر. لقد أجريتُ بحثاً عن أغنى 20 شخصاً في العالم، في 3 أعوام، هي: 1976، و 2000، و 2024. خلال هذه الأعوام كلها ظهر شخصان فقط صنعا ثروتيهما من العقارات. أما البقية، في جميع الفترات، فالفضل في ثرواتهم يرجع للصناعة والمعلوماتية والخدمات التقنية والهندسية. بلغت ثروة هؤلاء 406.5 مليار دولار في 2000، وتضاعفت إلى 2.37 تريليون في 2024.

ربما يسأل أحد القراء عن نصيب العرب من هذه الثروات، والجواب أنه لا يوجد أي عربي على قائمة ال 20 الأغنى خلال تلك الفترات كلها؛ لأن أغنياء العرب يؤمنون بمقولة إن ”العقار يمرض ولا يموت“ ولذا ركَّزوا استثمارهم على الأرض وتفريعاتها.

بينما ذهب الآخرون بالثروة الحقيقية التي تأتي من طَرْق أبواب الغيب وكشف حجابه، بسلطان العلم والبحث في الأنفس والآفاق، وتسخير الطبيعة.

إنني أسوق هذا الحديث طمعاً في إقناع أصدقائي الشباب، للنظر حقاً في مصادر الثروة الحديثة؛ لا سيما المعارف القابلة للتحويل إلى ثروات.

إن تاريخ الإنسان المعاصر يشهد بأن المعارف الجديدة والابتكارات المستندة إلى العلم، هي الصانع الأعظم للثروات والنجاح، حتى لو أصر الكهول أمثالي على أن العقار هو الرمز الحقيقي للثروة. إنه مجرد وهم، وما أكثر أوهامنا التي ينبغي للأجيال الجديدة أن تلقيها في البحر أو تذروها في الريح.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.