محاكمةُ الإنسانِ واللسَان
قراءة في ديوان «صيحة البابلي» للشاعر مهدي سلمان.
الحياةُ تسير إمَّا عبر تكرارِ أحداثها وتفاصيلِها، فما حصل قبلاً يمكن أنْ يحدث تالياً، مع مراعاةِ اختلاف الأماكنِ والشخوص، وإمَّا عبر مسار خطيٍّ لا تتكرَّر فيه الحوادثُ والتفاصيل، إذ ما يحصلُ ”الآن“ و”هنا“ أمرٌ مستجد لا علاقةَ له بالماضي، فبينَ هذين المسارينِ انتصر الشاعرُ مهدي سلمان في ديوانهِ ”صيحة البابلي“ للمسارِ الأول: "في النهاية ليس هنالك إلا البداية،
تتكرر دون ختام،
في النهاية ليس هنالك
إلا الشفاه جميعا،
تقول جميع الكلام"
طريقةٌ ترى الحياة تكراراً ومعاودة، وكأنَّ البشرية لم تتعلَّم من أخطائِها ولا زالت تعيدُها؛ ما دفعهُ إلى استعمالِ لغة مغلَّفة بالصراخ والعُنف، بحثاً عن جدوى الخِبرات المتراكمة، حيثُ لا تتم الاستفادةُ منها: "محمرةٌ شفة السماءِ على جبين الأرض،
هذي قبلة بفم الرحيلِ
عمياء، غافلةٌ هي الأشياءُ، منسيٌّ غبارُ الذكرياتِ
على الوجوه، كأنَّها جسد هيوليٌّ يسير إلى الذبولِ ومضيئةٌ ذرَّاتُ ما يبقى
من البرج القديم على الزمان، تشعُّ حينا ثم تخبو كالرجاء يشق عينَ المستحيلِ"
كتابةٌ متوترة، سريعَة، ذات طاقةٍ انفعالية، ونبرةٍ عالية، استثمرت اللغةَ عبر توظيفِ المجاز وإشراكِه مع الحقيقة، معتمدةً على العباراتِ الإيقاعية والجملِ القصيرة والخاطِفة، مع تركيزٍ شديد على دورانِ الزمن وحركةِ البشر، حيثُ موضوعها الرئِيسُ محاكمة التاريخِ والإنسان منذُ اختراع الكتابة وتفرُّق اللسان: "الشفاه التي تردد من حولي
كلامَ الرياح، ذاك الخفيَّا
هَمستْ لي، فمرَّ غيمٌ على وجهي
وصاحتْ، فأطبقتُ جفوني
وتَمتمتْ، فانتبهتُ لي
وأرتني «المعنى» فلم أدرِ ما هوْ!"
حضرتْ ”بابل“ باعتبارها نقطة اختلافِ الألسنة وتعدُّد اللغات، ومنها جاءت فكرة محاكمة التاريخ والإنسان، وكتابةٍ بيان إلى البشرية عموماً والشعراء خصوصاً، فمآلهم العودةُ إلى بابل، بما أنَّ حركة الزمن ِدائرية، تتكرَّر فيها الأحداث والتفاصيلُ: "أهي القيامةُ؟
أم هو الماضي الذي لم ينتظر
كي تحدثَ الأحداثُ
فابتكر الختامَ على طريقتهِ،
وأنهى كلَّ شيءٍ قبلَ أن يبدأ"
محاكمةُ الإنسان تتمُّ عبر لغته وطريقتِه؛ ما يعني السيرَ في اتجاهِ الاستعمال المجازيِّ للغة، حيثُ الفنية والجماليَّة يهدفان إلى اكتشافِ أبعادها وامتداداتها؛ سعياً لتطويرها ومجاوزتها للأساليبِ والعبارات المستهلكَة والمكرَّرة: "لا تفتحْ فماً، إنه طريقُك للتيهِ.
ولم أهدأ، إلى أن لفَّت عباءَتها الريحُ
من خلفي، وغابتْ
ككَلِمَةٍ تُهمس في الآذان،
لكنها ككلِّ الكلامِ، لم تعنِ شيّا."
تحضرُ اللغة عبر شفاهِ المتكلمين، الذين يدفعونَ بها إلى الأجيالِ اللاحقة، دونَ تغيير أو استبدالٍ في وظيفتها وأساليبها وطريقةِ بنائها، الأمرُ الذي يعني جُمودها وتخلِّيها عن الحياةِ ذاتها، حيثُ اللغة توهُّج واستمرار وتطوُّر، وهذا ما تفتقده الحياةُ وتسعى إليه: "الشفاه شفاهي التي في وجوهِ سواي،
شفتاك هنالك، أو شفتا غيرك،
الشفاهُ هي العُشبُ البريُّ
ينمو على المعاني فيخفيها،
ويحرفُ اللفظ عن طريقٍ
ويلقي به نحو آخر"
البشرُ يبحثون عن لغةٍ مدهشة، هدفُها تغيير العالمِ والإنسان؛ لذا اتَّجه إلى التأكيدِ على الشاعرية، ما أدَّى بصوته إلى الارتفاعِ وهو يُقدِّم أدلته وحججهُ: "يا ريح: مرِّي بي على خوف المقدَّس منك
دوري بي على المنسيِّ من خفقان جنح الشكِّ حول فم الدليلِ"
نهايةُ ارتفاع الصوتِ وخفوت الصيحة تُمثِّلها عودة اللغةِ إلى منبعها؛ لتحدثَ قيامة أُخرى، تنتقل باللغةِ من الحقيقة إلى المجازِ ومن التشظِّي إلى الإدهاش، فيكتسبُ الخطاب مستوىً أعلى من الفاعليَّة والتأثِير، عبر إحداثِ صدمة في المتلقِّي، تهدف إلى إشراكهِ في العودة، إذ لا قيامةَ مُنفرِدة: "يا طريق
ما الذي سوف تفضي إليه؟
أمكان لنرتاح فيه،
أم ترى كل ما فيك تيه؟
يا طريق تعبنا
وأنت الذي دون قلب تضيعنا،
كلما انفتح الحلم فينا تضيق"
تُمثِّل القصيدة خشبةَ الخلاص من اللغةِ المستهلكة، فوحدها من يمتلكُ إمكانية بعثِ اللذة وإدامةِ الدهشة، وهذا سببُ التأكيدِ على ضرورتِها وأهمِّيتها، حيث مجازيَّتها وإيحائِيَّتها تعيد للغة حيويَّتها، كما تفكُّ قيود كلماتِها ودلالاتها؛ ليُعاد تشكيلها وتُمنَح أبعاداً غير مسبُوقة: "هذا الليل يخفتُ حول ميتٍ واقفٍ في قبرهِ،
ويحكُّ ظهرَ الحلمِ فيه أو القصيدة
وأنا أهمُّ بدفن جثماني،
وأمضي للقيامةِ، أو لصيحةِ بابلٍ وتهدُّم البرج القديم،
أرى الشفاه النمل تزحف عند رأسي وهي هاربة
أرى ما ليس في الإغماض أو في الصحو،
غمغمة النصوص،
أرتِّب الموتى الذين سألتقيهم صدفةً، أو يلتقوني ذاهلين، ويعبرونْ"
مع اقترابِ النهاية تأتي اللغةُ هادئة ومُختلِفة، فالعبارات غدَت أطول، والأساليبُ أكثر استقراراً والصوت أشد هدوءاً، أمَّا الكلمات فباتَت أقرب إلى المُباشَرة وأبعد عن الإيحَاء، والسبب انتهاءُ المحاكمة وحلولُ الحساب والحقيقةِ: "بعد يومِ الحساب الطويل
بعد أن يذهب الخلق، كلٌّ إلى ما يشاء الإله
الجحيمِ أو الجنة المشتهاة،
بعد أن يخفت اللغو والرفض والهرج والجَلبة
ويدخلُ كلٌّ إلى سهمه صاغراً كامداً
أو بهيجاً ومغتبطاً
...
بعد يومِ الحسابِ الطويل
ذبلت وردة السؤال،
ولم تبق في فمي غير وردة الذعر"
الختامُ حديث من القلبِ للقلب، لأنَّ المشاعر حِينَ تطفو تصلُ إلى المتلقي وتؤثِّر فيه، فالصدمةُ أثبتت أنها أدَّت المطلوب، فالخارجُ من القلب يقعُ مباشرة في القلبِ: "قلبي مسيَّج بالنهايات
قلبي السقوط من اسمك الحزين حين أناديه،
قلبي النشوة السقوط،
قلبي سخرية الوداع،
ومدُّ الكف للموت في يأسٍ،
وقلبي تعفن البرتقالة الشمس تحت لحاف الليل
قلبي الدويُّ في تعب الجناحين،
قلبي الظلام،
قلبي الوقوع،
قلبي الوقوع."













