ثلاثُ رصاصاتٍ في الفَم
كانت «ثلاث رصاصات في الفم» هي العقوبة النمطية التي كان الفرنسيون يُوقِعونها على كل جزائري يجرؤ على التلفّظ باللغة العربية، وذلك بموجب «مرسوم شوتان» الصادر في 8 مارس 1938، المنسوب إلى رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك كاميل شوتان. استمرّ هذا القانون الجائر طيلة الاحتلال العسكري الفرنسي للجزائر، الذي دام 132 عامًا. كان الهدف من ورائه مجرّد تجريد الجزائر من عقلها الجمعي ومحو روحها الأصيلة، وهو مشروع يبدأ بالضرورة من اللغة، لأنها الفضاء الذي تتحرك فيه الأفكار وتتنفس فيه المشاعر والوعي.
في تركيا، تضاعفت أعداد المشانق لتتسع لعناقيد من معلمي القرآن والعربية، وذلك بقرار من كمال أتاتورك، ذلك العسكري الذي نصّبه البريطانيون وكيلاً لهم بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني عام 1927. كانت المهمة الأولى الموكلة إليه واضحة: اقتلاع اللغة العربية من جذورها، وصناعة قومية «تركية» منفصلة تمامًا عن محيطها العربي والإسلامي. وبعد سبعة أشهر فقط من بسط السيطرة على تركيا، أصدر القرار رقم 1353 في أول نوفمبر 1928، ليحلّ الحروف اللاتينية محل العربية، مما أدى إلى محو تسعمائة عام من التاريخ المشترك للمسلمين الأتراك مع العرب. وفي عام 1932، أتبعه بقرار «تنقية اللغة» لاستئصال أي مفردة عربية عالقة في الذاكرة التركية. كان حكم من يخفي علمه بالعربية هو الموت بأبشع الطرق؛ إذ يُلقى المؤذن من فوق منارته، أو يُقطع لسانه، أو تُرمى جمجمته بالرصاص علنًا؛ قبل أن تنتهي المأساة بترجمة الأذان نفسه إلى التركية!
بعد تولية البريطانيين للجندي رضا بهلوي حكم إيران عام 1925، كانت سبعة قرارات جذرية على رأس قائمته، وكان أولها منع اللغة العربية منعًا باتًّا. شرع في تغيير أسماء المدن ذات الجذور العربية، وأسس «مجمع اللغة الفارسية» عام 1930 لإحلال الفارسية محل العربية. وعندما اعترض الشيخ خزعل، حاكم الأهواز العربي، على منع التحدث بلغته القومية، لم يتردد بهلوي في إعدامه رميًا بالرصاص. صارت حيازة كتاب عربي كفيلة بسجن صاحبه عشر سنوات، وتعرّض من يلفظ كلمة عربية في العلن للترحيل القسري إلى العراق.
تفكيك الإنسان المحتَلّ يمرّ بالضرورة عبر تفكيك لغته، لأن اللغة هي الوعاء الجامع لأفكاره، وهي وعاء خطاب الله إليه، وشريعته، وتاريخه، وجذوره الممتدة في تراب وطنه. لا يمكن سلب هوية إنسان دون أن تُنتزع منه لغته الأم وتُفرض عليه لغة عدوه. إن اللغة العربية هي الهوية الموحّدة، والدين الجامع، والرباط المقدس؛ إنها لغة القرآن، حاملة السبع المثاني، والجامعة للمسلمين على اختلاف أعراقهم وألوانهم وأماكن ميلادهم.
بعد انقضاء عهد الاستعمار الفرنسي والبريطاني المباشر، وُلِد جيل جديد يمارس على نفسه وأبنائه العقوبات ذاتها التي كان يفرضها المستعمرون على أجداده. إنّه جيل يستحمر ذاته، فيُعجّم ألسنة أبنائه، ويُبعِدهم عن عمق المعنى الذي تحتضنه كل لغة من قيم وروحانيات. هؤلاء الآباء المستعمِرون - سلوكًا وروحًا - هم امتداد مباشر لأتاتورك وبهلوي وبورقيبة، يحتّلون وجدان أبنائهم، ويُشوّهون هويتهم بعقدة التغريب. فالعرب اليوم منهم من لا ينطق العربية، مما يولّد في أبنائهم قصورًا في الرؤية الوجودية، لأن اللغة هي معمار الفكر وصورة المعنى عن الحياة.
لقد صرنا نرى آباءً يطلقون تلك الرصاصات الثلاث على ألسنة أبنائهم كلما نطقوا بلغة الوحي، ولغة شريعتهم وقوميتهم.
فهل يحين الوقت ليُسنّ قانون يحمي براءة الأطفال من هذا الاحتلال الفكري المقنّع، ومن تلك العقدة المستوطنة التي تسمّى عقدة «الاستغراب»؟













