عقلنة العلاقات... ضرورة إدارية
من أهم احتياجات الإنسان الفطرية حاجته إلى التواصل والانتماء وبناء العلاقات مع الآخرين، فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش أو يعمل أو يحقق أهدافه بمعزل عن محيطه، وهذا ما أكده القرآن والنصوص الشريفة من خلال ما ورد فيها من حث على التعارف والتواصل والتآلف، وما تناوله علماء النفس والاجتماع، ومن أبرزهم أبراهام ماسلو في هرم الحاجات الإنسانية.
لكن قيمة العلاقات لا تُقاس بكثرتها ولا بعددها، وإنما بعمقها وجودتها، وبقدرتنا على إدارتها بوعي واتزان، ومن هنا فإن عقلنة العلاقات لا تعني أن نتعامل مع الناس بمشاعر باردة أو بحسابات مصلحية، ولا أن نفقد عفوية العلاقات ودفئها، وإنما تعني أن نعرف كيف نحب دون أن نتعلق، وأن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نعطي دون أن نُستنزف، وأن نقترب دون أن نفقد حدودنا، وأن نحسن الظن دون أن نتخلى عن وعينا، وأن نفصل بين الصداقة والمسؤولية، وبين المشاعر والقرار، لأن العلاقات غير المنضبطة تنتج المحسوبية والشللية والصراعات، بينما العلاقات العقلانية تخلق بيئة يسودها العدل والوضوح والثقة، وهذه في جوهرها ليست مهارة في إدارة الآخرين فقط، بل مهارة في إدارة أنفسنا أولًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا يحدث عندما تدخل العلاقات الشخصية إلى بيئة العمل؟ وما الفرق بين العلاقة الشخصية والعلاقة المهنية، وبين أن تكون إنسانيًا في الإدارة أو أن تكون أسيرًا للعلاقات؟ وكيف نطور البعد الإنساني في العمل الإداري، بحيث تبقى الإدارة حازمة في قراراتها، وعادلة في تعاملاتها، وإنسانية في ممارساتها؟
عندما تدخل العلاقات الشخصية إلى بيئة العمل، فإنها لا تدخل وحدها فحسب، وإنما تحمل معها المشاعر والتوقعات والانحيازات، بل وقد تتحول تدريجيًا إلى عامل يؤثر في القرار، والأداء، والعدالة، ومن هنا يبدأ الخطر، والحل ليس في بناء بيئة عمل باردة أو في مطالبة الإنسان بأن يتخلى عن طبيعته الاجتماعية، فالعلاقات الإنسانية الصحية يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للتعاون والثقة والدعم النفسي وروح الفريق، لكن الفارق يكمن في الحدود؛ فأن تكون قريبًا من زميلك شيء وأن تجعل هذا القرب معيارًا في تقييمه أو ترقيته أو محاسبته شيء آخر.
يقول فريدريك هيرزبرغ، أحد أبرز علماء الإدارة والسلوك التنظيمي: «إن العدالة في بيئة العمل ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل عنصر أساسي في شعور الموظف بالرضا والثقة بالمؤسسة»، ولذلك فإن المشكلة لا تبدأ عندما يعلن المدير محاباته لأحد، وإنما عندما يشعر الموظفون أن هناك أشخاصًا يتحركون داخل المؤسسة بقواعد مختلفة عن القواعد التي تحكمهم.
ومن هنا تأتي أهمية عقلنة العلاقات داخل المؤسسات: أي الانتقال من علاقة تحكمها العاطفة وحدها إلى علاقة تحكمها العاطفة والوعي والحدود المهنية معًا، فالمطلوب ليس أن نفصل الإنسان عن إنسانيته، وإنما أن نفصل المشاعر والعواطف عن القرار عندما يصبح القرار حقًا للآخرين.
ولهذا تحتاج المؤسسات إلى ثقافة تقوم على الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص قبل ثقافة المجاملات والعلاقات الشخصية، فالإدارة الناضجة لا تقول للموظف: لا تكوّن علاقات، وإنما تقول له: كوّن علاقات، ولكن لا تجعلها تتجاوز النظام.
فالعلاقة الشخصية تقوم على المودة والقرب والمشاعر والتجارب المشتركة، أما العلاقة المهنية فتقوم على الدور والمسؤولية والأهداف والمعايير، فقد أكون صديقًا لك خارج العمل، لكن عندما يتعلق الأمر بتقييم الأداء فأنا لا أتعامل معك بصفتي صديقًا، وإنما بصفتي مسؤولًا ومحاسبًا أمام الله، وهنا لا يكون الفصل بين العلاقة الشخصية والمهنية قسوة، بل احترامًا للعلاقة نفسها وللمؤسسة وللآخرين، فالمدير الإنساني ليس هو الذي يعفي الموظف الذي يحبه من المساءلة، وإنما الذي يحاسبه باحترام؛ وليس هو الذي يتجنب القرارات الصعبة حتى لا يخسر علاقاته، وإنما الذي يستطيع أن يقول لموظفه أو لصديقه: أقدّر علاقتنا، لكن مسؤوليتي تفرض عليّ أن أطبق المعيار نفسه على الجميع.
إن الإنسانية في الإدارة لا تعني التساهل، كما أن الحزم لا يعني القسوة، فيمكن للمدير أن يكون حازمًا في القرار، وإنسانيًا في الأسلوب، وواضحًا في المعايير، وعادلًا في الأحكام، وقريبًا من الموظفين دون أن يفقد المسافة المهنية التي تحمي قراراته من تأثير العلاقات الشخصية.
لا يمكن لأي إدارة أن تنجح وهي تتعامل مع الإنسان باعتباره رقمًا في كشف الحضور أو اسمًا في الهيكل التنظيمي، كما لا يمكنها أن تُديره باللوائح والتعليمات وحدها، فالإنسان لا يتحرك بالأنظمة فقط، وإنما تحركه أيضًا القناعة، والانتماء، والتقدير، والشعور بالعدالة، ولهذا فإن المدير الناجح لا يختار بين الإنسان والنظام، بل يوازن بينهما، فلا يسمح للعلاقات بأن تهدم العدالة، ولا يسمح للأنظمة بأن تهدم الإنسانية، وهنا تظهر قاعدة إدارية مهمة تقول: «كلما زادت سلطة المدير، ازدادت حاجته إلى ضبط علاقاته».
ولعل أجمل ما يلخص هذه المعادلة ما جاء في عهد الإمام علي بن أبي طالب
إلى مالك الأشتر حين أوصاه بالناس قائلًا: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك»، وهذا ما أكدته دراسة مراجعة أعمال هارفارد بأن 75% من الموظفين شاهدوا المحاباة في مكان العمل، و 47% يرون أن مديرهم لديه موظفون مفضلون، وهي أرقام تكشف أن المشكلة قد لا تبدأ بنية سيئة، وإنما بقرب غير منضبط يتحول تدريجيًا إلى تفضيل.
ومن هنا فإن عقلنة العلاقات لا تعني أن نبني جدارًا بين المدير والموظف، ولا أن نمنع العلاقات الإنسانية داخل المؤسسات، بل أن نضع لها حدودًا تحفظ العلاقة من أن تتحول إلى محاباة، فالقرب مطلوب لبناء الثقة، لكن المسافة المهنية مطلوبة لحماية القرار.
في نهاية المطاف، ليست المشكلة في أن تكون لنا علاقات داخل العمل، أو المؤسسات، ولكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل العلاقة من مساحة التواصل الإنساني إلى مساحة التأثير غير المشروع في القرار، وعندما يصبح القرب امتيازًا، والصداقة حماية، والمجاملة معيارًا، والانتماء طريقًا أسهل للفرص.
وهنا تظهر قيمة عقلنة العلاقات: فهي لا تطلب منا أن نتخلى عن إنسانيتنا، وإنما أن نضع لها إطارًا يحميها، وأن نكون قريبين من الناس دون أن نميل معهم، وأن نرحم دون أن نجامل، ونتفهم الظروف دون أن نلغي المسؤولية، وأن نختلف دون أن ننتقم، وأن نكافئ دون أن نُحابي.













