آخر تحديث: 20 / 8 / 2026م - 2:57 م

لا فتوى بغير علم

الدكتور ماهر آل سيف *

من جميل ما منحه الله للإنسان أن يتعلّم، ومن تمام العقل أن يعرف حدود ما تعلّم؛ فالشهادة الجامعية رفعة، والتخصص منزلة، والثقافة فضيلة، ولكن لا الشهادة تجعل صاحبها موسوعة، ولا الثقافة تمنحه مفاتيح كل صناعة. فالطبيب لا يستغني بعلمه عن المهندس، والمهندس لا يستغني بخبرته عن الطبيب، وكلاهما إذا وقف أمام مسألةٍ قانونية قصد أهل القانون، فلماذا إذا بلغ الحديثُ الدينَ ظنَّ بعضنا أن التخصص فيه وحده مستثنى من قانون التخصص والبيان؟

في جامعاتنا أقسام للطب والهندسة والاقتصاد والقانون والدراسات الإسلامية؛ فكما لا تكفي القراءة في كتب الطب لممارسة الطب، لا تكفي مطالعة متفرقة في كتب الدين لإصدار الأحكام في الحلال والحرام، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، وصحة الحديث ودلالته ومقامه.

والقرآن نفسه أرشد إلى هذا الميزان فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، بل جعل التفقه في الدين تخصصًا تقوم به طائفة فقال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ .

وليست المسألة إلغاءً للعقل، بل إحسانًا لاستعمال العقل؛ وليست تقديسًا للأشخاص، بل احترامًا للاختصاص. فالعالِم يُسأل ويُناقش ويُستدل لقوله، كما يُراجع الطبيب ويُستفهم منه، ولكن الفرق كبير بين السؤال بعلم، والقول بلا علم.

وفي القرآن قصة بليغة: موسى ، وهو نبي كريم، قال للخَضِر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ؛ فلم يمنعه مقامه من طلب العلم ممن خصّه الله بعلمٍ في موضعٍ لم يعلمه.

فاقرأ، وتدبّر، وتعلّم، واسأل، وناقش؛ فالدين ليس حكرًا على أحد، ولكن الفتوى ليست مجالًا لكل أحد. ومن حق الإنسان أن يعرف دينه، ومن واجبه كذلك أن يعرف متى يسأل أهله؛ فالعلم تواضع قبل أن يكون معرفة، والأمانة تثبّت قبل أن تكون عبارة، ومن قال في دين الله بغير علمٍ فقد حمّل الكلمة ما لا تحتمل، وحمّل نفسه ما كان عنها في غنى.