آخر تحديث: 21 / 8 / 2026م - 9:14 م

حين يبقى العطاء بعد الرحيل… البروفيسور عبد العزيز عاشور

حين يرحل العلماء والأطباء الكبار، لا يكون الرحيل مجرد غياب اسم عن مجلس، أو طبيب عن عيادة، أو أستاذ عن قاعة تدريس؛ فبعض الرجال يتركون وراءهم من العلم والعمل والمواقف الإنسانية ما يجعل حضورهم ممتداً بعد الرحيل، وتبقى آثارهم تتحدث عنهم في حياة الناس.

ومن هؤلاء البروفيسور الدكتور عبد العزيز جميل عاشور، رحمه الله، الذي فقدت برحيله المنطقة الشرقية والمملكة العربية السعودية قامةً طبية وعلمية وإنسانية بارزة، وأحد رواد طب الأنف والأذن والحنجرة، ممن أسهموا في بناء هذا التخصص وتطوير خدماته وتعليم أجياله.

رائد من رواد الطب في المنطقة الشرقية:

يُعد الأستاذ الدكتور عبد العزيز عاشور من رواد طب الأنف والأذن والحنجرة في المنطقة الشرقية، ومن الأسماء التي ارتبطت بمراحل مهمة من تطور هذا التخصص أكاديمياً وعلاجياً. وكان من الذين أسهموا في تأسيس قسم الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر، ليصبح القسم مع مرور السنوات صرحاً للعلاج والتعليم والتدريب وتخريج الأطباء.

ولم يتوقف عطاؤه عند حدود المستشفى والجامعة، بل امتد إلى العمل المهني على مستوى المملكة؛ إذ تولى رئاسة الجمعية السعودية للأنف والأذن والحنجرة خلال الفترة من 1996 إلى 1998، وأسهم من خلال مسيرته في تعزيز حضور التخصص وتطوير الممارسة الطبية والتعليمية والبحثية فيه.

غير أن قيمة الطبيب لا تُقاس بالمناصب والشهادات والألقاب وحدها؛ فثمة جانب آخر من السيرة قد يكون أكثر قرباً من قلوب الناس، وهو ما يتركه الإنسان من خير يستمر نفعه بعده.

عيادة للأطفال… وعطاء مستمر:

ومن الأعمال المضيئة التي ينبغي أن تُذكر في سيرة الأستاذ الدكتور عبد العزيز جميل عاشور، مساهمته قبل أكثر من خمس سنوات في تأسيس ودعم عيادة الأنف والأذن والحنجرة للأطفال بمستشفى الولادة والأطفال بالدمام، من خلال تبرعه السخي بعيادة متكاملة التجهيز.

لم يكن ذلك مجرد تبرع مادي عابر، أو أجهزة قُدمت في مناسبة ثم انتهت قصتها؛ بل تحول العطاء إلى خدمة طبية مستمرة يستفيد منها الأطفال وأسرهم كل يوم.

واليوم تتم في هذه العيادة معاينة وتشخيص وعلاج أكثر من عشرة آلاف طفل سنوياً.

وحين نتوقف أمام هذا الرقم ندرك حجم الأثر.

عشرة آلاف طفل في سنة واحدة يعني عشرات الآلاف خلال سنوات عمل العيادة، ولكل طفل منهم قصة، وخلف كل طفل أسرة حملت قلقها إلى المستشفى وهي تبحث عن التشخيص والعلاج والطمأنينة.

هناك طفل يعاني ضعفاً في السمع، وآخر من التهابات الأذن المتكررة، وثالث من مشكلة في الأنف أو التنفس، وآخر يحتاج إلى تقييم اللوزتين أو اللحميات أو غير ذلك من أمراض الأنف والأذن والحنجرة التي قد تؤثر في صحة الطفل ونومه وسمعه وكلامه وتعلمه وجودة حياته.

وهكذا لم يعد التبرع جهازاً أو عيادة فحسب؛ بل تحول إلى فحص وتشخيص وعلاج وطمأنينة لآلاف الأطفال وأسرهم.

حين يتحول المال إلى صحة وطمأنينة:

من أجمل صور البذل أن يستطيع الإنسان تحويل جزء مما أنعم الله به عليه إلى منفعة مستمرة للآخرين.

فالمال حين يتحول إلى عيادة طبية يبدأ حياةً جديدة من العطاء؛ يتحول إلى فحص لطفل، وتشخيص لمريض، واكتشاف مبكر لمشكلة صحية، وعلاج يخفف الألم، وطمأنينة تدخل قلب أب وأم.

وهنا تتجلى قيمة ما صنعه الأستاذ الدكتور عبد العزيز عاشور؛ فقد تجاوز أثره حدود المرضى الذين عالجهم بنفسه، إلى مرضى لم يرهم ولم يعرف أسماءهم، بل إلى أطفال ربما لم يكونوا قد وُلدوا عندما قدم تبرعه، ثم جاءوا بعد سنوات لينتفعوا به.

وما أجمل أن يصل إحسان الإنسان إلى أشخاص لم يلتق بهم، وأن تستمر يده في العطاء بعدما غابت عن الدنيا.

من علاج المرضى إلى بناء المؤسسات:

هناك فرق بين أن يمارس الطبيب مهنته بكفاءة، وبين أن يسهم إضافة إلى ذلك في بناء المهنة والمؤسسة الطبية.

لقد كان جيل الرواد في الطب السعودي أمام مسؤولية كبيرة؛ فلم يكن المطلوب منهم علاج المرضى فقط، وإنما تأسيس الأقسام، وتطوير الخدمات، وتدريب الأطباء، ونقل الخبرة، وبناء بيئة طبية يستطيع الجيل التالي أن ينطلق منها.

وكان الأستاذ الدكتور عبد العزيز جميل عاشور واحداً من هؤلاء الرواد.

فعندما نجمع بين مساهمته في تأسيس قسم الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى الملك فهد الجامعي، وعمله الأكاديمي والتعليمي، ودوره المهني، ثم مساهمته الإنسانية في دعم عيادة متخصصة للأطفال بمستشفى الولادة والأطفال بالدمام، نرى صورة متكاملة للطبيب صاحب الرسالة:

علمٌ يُعلَّم، وطبيبٌ يُدرَّب، ومريضٌ يُعالج، وقسمٌ يُبنى، وعيادةٌ تُجهَّز، وأثرٌ يبقى.

صدقة جارية تتجدد كل يوم

حين يرحل الإنسان ينقطع عمله إلا مما شاء الله أن يبقى نفعه وأثره، ومن أعظم ذلك الصدقة الجارية والعلم الذي يُنتفع به.

ونرجو للأستاذ الدكتور عبد العزيز عاشور أن يكون له من كليهما نصيب وافر؛ فقد ترك علماً انتقل إلى طلابه وتلاميذه، وساهم في بناء خدمات طبية استمرت بعده، وترك عيادة ينتفع بها آلاف الأطفال.

فكم من طبيب تعلم منه علماً ثم نقله إلى غيره؟

وكم من مريض انتفع بخبرة أحد تلاميذه؟

وكم من طفل دخل العيادة التي ساهم في تجهيزها فوجد فيها فحصاً وتشخيصاً وعلاجاً؟

إن سلسلة الخير التي تبدأ من عمل صادق قد تمتد إلى أماكن وأجيال لم يتصورها صاحبها.

ولهذا فإن هذه العيادة تقدم درساً مهماً للأطباء ولأصحاب القدرة على العطاء: أن خدمة الطب لا تكون بالعمل اليومي فقط، وإنما يمكن للإنسان أن يترك مشروعاً مستداماً يخدم المرضى سنوات طويلة من بعده.

الأثر هو الذي يبقى:

الألقاب تنتهي، والمناصب تتغير، والمكاتب يتعاقب عليها الناس، لكن المعروف لا يموت، والعلم النافع يبقى، والمؤسسات التي يساهم الإنسان في بنائها تظل شاهدةً على عطائه.

وفي مستشفى الولادة والأطفال بالدمام ستظل هناك عيادة تستقبل الأطفال كل يوم، وتفحص وتعالج أكثر من عشرة آلاف طفل كل عام، تحمل في قصتها شيئاً من أثر الأستاذ الدكتور عبد العزيز جميل عاشور.

قد لا يعرف الطفل الذي يدخلها اليوم اسم من ساهم في تأسيسها، وقد لا تعرف أسرته قصة ذلك التبرع، لكن الله سبحانه يعلم صاحب المعروف، ويعلم من انتفع به، ولا يضيع عنده عمل المحسنين.

رحم الله الأستاذ الدكتور عبد العزيز جميل عاشور؛ الطبيب الذي عالج، والأستاذ الذي علّم، والرائد الذي أسهم في التأسيس، والإنسان الذي بذل من أجل الآخرين.

ونسأل الله أن يجعل هذه العيادة صدقةً جارية في ميزان حسناته، وأن يكتب له أجر كل طفل انتفع وينتفع بها، وكل ألم خُفف، وكل مرض شُخّص، وكل علاج قُدم، وكل أسرة خرجت منها وقد تبدل قلقها طمأنينة.

ونسأله سبحانه أن يجعل علمه وعمله وعطاءه نوراً له، وأن يرفع درجته في عليين، ويجزيه عن مرضاه وطلابه وزملائه ومجتمعه خير الجزاء.

لقد رحل الأستاذ الدكتور عبد العزيز جميل عاشور عن هذه الدنيا، ولكن بقيت أعمال تقول كل يوم:

مرّ من هنا إنسان، فترك المكان أفضل مما وجده.

رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان.

استشاري طب أطفال وحساسية