آخر تحديث: 21 / 8 / 2026م - 9:14 م

صمت أبي

فوزي آل غريب *

كنا نخفض أصواتنا،
لئلّا نُقلق هدوءَ أبي،
كأن الغفوة كانت ملاذه،
وكأننا، بضع همسات،
نسير على زجاجٍ لا يُرى،
وكأننا، فراشاتٌ، نلونُ المساء.

كنا نَشُمُّ رائحة الحنين،
في دفء لمسات كفيه،
وكأننا، نحمل الليل بخفةٍ
على أهداب أحلامنا،
نرتب أنفاسنا بحذر،
نخفي ضجيج قلوبنا،
كي لا نشق هدأة حضوره..

فما كان خفضُ الصوتِ خوفًا،
بل كان برًّا بأبٍ عظيم.

ثم أقبل ذاك اليوم…

فلم نعد نخفض أصواتنا،
ولم تعد هناك غفوةٌ نخشى أن نوقظها.

قلنا كل ما أخفيناه طويلًا،
ناديناه بأصواتنا كلّها،
لكن أذنه لم تلتقط شيئًا.

لم يستيقظ.

كان الغياب أثقل من الصوت،
وأعمق من كل النوافذ الموصدة،
وكان الحنين، كصدى بعيد،
يرتدّ إلينا
ولا يعود.

الآن، كلما همسنا،
كلما صرخنا،
لا أحد هناك ليصغي،
ولا زجاج نخشاه أن ينكسر.

الآن، انكسرت بفقده قلوبنا،
والأبواب التي كنا نغلقها برفق،
لم تعد تحتمل وحشة الهدوء،
تئن مفاصلها في كل ليلة،
كم تشتاق إلى لمسة يديه،
وكأنها تسأل عن خطواته،
التي غاب صداها،
عن حكاياته،
عن صدى ضحكاته،
تسأل عن ظله الذي كان يعبرها بلا صوت.

والغرف التي أفتقدت دفء حضوره،
الآن صارت باردة،
تحكي للنوافذ عن ليل طويل،
وعن نجمة لم تعد تشرق.

حتى الصور على الجدران،
باتت تنظر إلينا بخيبة،
كأنها تفتقد نظراته،
وتسألنا عن ابتسامة،
لماذا لم تُرسم منذ زمن.

أبي..

كنا نصمت خشية أن نزعج سكونك،
نصمت حتى لا نوقظ الصمت،
لأنه الوحيد الذي ظل يشبهك،
يشبه الغياب الذي تركته،
ويشبه الأبدية التي احتضنتك.

أما البيت..

ما عاد بيتًا،
غدا مزارًا للحزن،
وصدى لحكايات لم تُكمل.

وأنا..

أقف أمام سريرك،
أهمس كما كنت أفعل،
خوفًا من أن لا تسمعني،
فأحمل صوتي مثقلًا بالذكريات،
وأعلم أن النداء لا يعبر المسافات،
التي تفصلنا الآن،
حيث أقف جامدًا في مدى الصمت.

فيا أبي..

إن كان غيابك أصبح صمتًا،
فنحن نعيش في صداه،
وإن كان الغياب نومًا،
فكلنا نحلم بلحظة يقظة تجمعنا.

ولكننا، كنا نعلم…

أن أصواتًا،
حين يأخذها الغياب،
لا تعود.

كنا نعلم…

أن هناك صمتًا،
هو الحقيقة التي تبقى،
وهي حقيقة الغياب،
في ظل هذا الوجود.