التكبر والفوقية وما بينهما من مشتركات
نحن نعيش في زمن كثرت فيه بعض السلوكيات اللاأخلاقية والطباع المنفرة لدى نفر من أفراد المجتمع، الخارجة عن المألوف الطبيعي، والبعيدة كل البعد عن القيم الدينية الأصيلة والعادات والتقاليد العريقة، بمعانيها السامية وأهدافها الرفيعة، التي كنا وما زلنا نعتز ونفتخر بها ونعتد بها، ونجعلها من الأسس الرئيسية التي نستند إليها في واقعنا المعاش، ونحافظ على بقائها ونعض عليها بالنواجذ، لما لها من تأثير إيجابي فعال في حياتنا، ووجه حضاري مميز لعلاقاتنا العامة، في إطار الخصال المحمودة والطبائع المحبوبة والمرغوبة في تثبيت دعائم التواضع والوداعة واللين والبساطة في التواصل والتعامل الإنساني وذم التعالي والغرور والكبرياء، كما جاء في القرآن الكريم في سورة لقمان، إذ قال تعالى:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]
وهي إرشادات وتعاليم توجيهية ربانية تبين لنا وتساعدنا في رسم منهج شفاف وواضح في محاربة الأخلاق الشاذة والمستهجنة، رغم ما نواجهه من عقبات وتحديات وعقد تراكمية كانت وما زالت حجر عثرة وخللًا في إبراز الآثار الإيجابية والمنطقية للمفهوم المجتمعي والطبقي لدى فئة من الناس الذين لا يزالون يتشبثون بصفات ذميمة ومشينة كالتكبر والفوقية، حيث إن هاتين الصفتين تتشابهان في الأثر، وتختلفان في الدوافع.
وحسب التعريف اللغوي والاصطلاحي، فالتكبر يعني: استصغار الآخرين واحتقار الحق.
أما الفوقية فتعني: الشعور بالاستعلاء والتميز الكاذب على من هم حولك، وما زال صغار النفوس وعديمو الإحساس من الذين غلبت عليهم شقوتهم يمارسون هذه الصفات المكروهة أفعالها والذميمة خصالها بكل صلف وغطرسة وغرور واحتقار وتهوين من شأن الآخرين، الذين لا حول لهم ولا قوة إلا الصبر والسكينة والتضرع إلى الله، جلّت قدرته، أن يأخذ لهم حقهم ممن هدر كرامتهم وأضاع احترامهم وهيبتهم أمام الآخرين، والعجب كل العجب أن أولئك المتعجرفين في تكبرهم واستعلائهم المصطنع نسوا أو تناسوا أن نشأتهم في هذه الحياة المتلونة تبدأ من نطفة «ماء مهين»، كما قال الله تعالى في سورة السجدة:
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8].
وتعني أن أصل تكوين العنصر البشري من أمشاج مختلطة من الخلايا المذكرة والأمشاج المؤنثة، ويبتدئ ذلك من نطفة ضعيفة وحقيرة في نظر البشر، وليست ذات قيمة ذاتية قبل أن تُنفخ فيها الروح وتتطور بقدرة الخالق.
وفي آخر وجودهم في هذه الحياة الفانية، تتحلل أجسامهم وتصبح جيفة، وقد وصف إمام البلاغة والفصاحة، الإمام علي
، وصفًا دقيقًا لهؤلاء المتكبرين عندما قال:
«عجبت لمتكبر، كان أمس نطفة، وهو غدًا جيفة».
إذًا، لنأخذ مما ذكرناه آنفًا عنوانًا نعيد فيه صياغة حياتنا بشكل يتوافق ومصيرنا المحتوم وآثاره وتفاعلاته والبعد عما يكدر الخواطر ويزعجها، وخاصة النأي بأنفسنا عن أولئك الذين جبلت أنفسهم على تبني الفوقية والغرور والتكبر نهجًا وأسلوبًا في تصرفاتهم وأفعالهم الشائنة.
أجارنا الله وإياكم من تلك السلبيات الممقوتة… والله ولي التوفيق.













