الغرب وقضية اللاجئين
مع بروز مشكلة اللاجئين، التي أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية تشكل مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي الذي بدأ، لأسباب إنسانية، يتحمل مسؤولية حماية اللاجئين وتقديم المساعدة إليهم؛ فقد اتُّخذت إجراءات عدة في هذا الخصوص على الصعيد الأممي والإقليمي. فعلى الصعيد الأممي، برزت الحاجة إلى وثائق دولية تحدد الأشخاص الذين يستحقون اللجوء، لذلك اعتُمدت اتفاقية اللاجئين عام 1951، ثم، مع مرور الوقت وظهور حالات جديدة للاجئين، أخذ الشعور يزداد بضرورة تعديل الإطار القائم، ووضع بروتوكول عام 1967 يكفل حماية اللاجئين.
وكان الهدف استقطاب الكثير من المهاجرين من دول العالم النامي، وذلك بسبب نقص اليد العاملة الوطنية في دول أوروبا وأميركا، خصوصًا بعد الخسائر البشرية، التي تقدر بالملايين من ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومن أجل بناء بلدانهم وتعميرها بعد الدمار والخسائر نتيجة الحروب، اضطرّت هذه الدول لاستقدام المهاجرين وتوطينهم من أجل استخدامهم في القطاعات المختلفة التي تحتاج إلى اليد العاملة، كالمصانع والخدمات العامة كالبناء والنظافة وغيرها من الخدمات التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد.
وشكّلت أعداد المهاجرين في بعض الدول نسبةً عاليةً تهدد التركيبة الديموغرافية السكانية لهذه الدول، بحسب تصريحات مسؤولي هذه الدول. ولعل الأسباب التي تدفع هؤلاء المهاجرين لترك بلادهم، إما سياسية، أو اقتصادية، أو نتيجة حروب وغيرها. فمع زيادة أعداد المهاجرين، لم تستطع هذه الدول أن تدمج هؤلاء في النسيج الاجتماعي، أو تفرض عليهم العادات والتقاليد الاجتماعية الخاصة بهم. فأغلب هؤلاء المهاجرين قدموا من إثنيات وديانات ومذاهب مختلفة، ومن مختلف بقاع العالم.
لذلك قامت هذه الدول بفرض سياسات صارمة تدعو هذه الجاليات إلى تطبيقها والاندماج في مجتمعاتها، بغض النظر عن طبيعة هذه السياسات التي تتعارض مع عادات وتقاليد هذه الجاليات الوافدة، والتي تشكّل عبئًا على هؤلاء. والهدف من هذه السياسات هو الحدّ من قدوم الوافدين والمهاجرين إلى هذه الدول، ووضع العراقيل من أجل تقليل العدد، خصوصًا أن نسبة هذه الجاليات بدأت تشكّل أرقامًا كبيرةً تؤثر على التنمية الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية.
ومن أهم الأسباب التي دفعت الدول الأوروبية للحدّ من استقبال المهاجرين ومنعهم من القدوم إلى بلدانها، والتي تتنوع بحسب كل دولة وظروفها، ويمكن تلخيصها في محاور متداخلة تشترك هذه الدول في بعضها:
• ضغط على البنية والخدمات العامة، فمع ازدياد أعداد طالبي اللجوء أو المهاجرين قد يشكّل ذلك عبئًا على السكن المؤقت، والرعاية الصحية، والمدارس، وشبكات الدعم الاجتماعي، مع صعوبة الوصول إلى «قدرة استيعاب» ثابتة عندما تكون موجات الدخول متقلبة.
• تحديات في نظام اللجوء وعدالة المعالجة: تباطؤ الإجراءات القضائية والإدارية، مما يسبب تكدّس الملفات، والحاجة لتقليل حالات الازدواجية «تنقل طالبي اللجوء بين دول عدة»، وتوحيد المسار القانوني داخل الاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى التركيز على منع الدخول غير النظامي وتسريع البت في الحالات.
• مخاوف أمنية مرتبطة بالاختلاط وعدم القدرة على التحقق، فبعض الحكومات تربط التزايد في الهجرة غير النظامية بالقلق من تسلل أشخاص مرتبطين بشبكات إجرامية أو إرهابية، وصعوبة التحقق من الهوية والوثائق في ظروف الرحلات الخطرة أو في ظل المستندات غير الرسمية.
• وجود اقتصادات محلية لا تتحمل الزيادة بسرعة. ارتفاع البطالة أو ضعف فرص العمل لبعض الفئات يجعل الحكومات تخشى من اتساع التنافس على الوظائف. فقضايا مثل التدريب المهني واللغة والدمج قد تستغرق وقتًا، فتبدو الأعباء «آنية» سياسيًا أكثر من كونها طويلة المدى.
• جدل سياسي وصعود أحزاب رافضة للهجرة: وخصوصًا الأحزاب اليمينية في تلك الدول، إذ صارت الهجرة موضوعًا مركزيًا في الانتخابات، ما يدفع بعض الحكومات لتبنّي سياسات «أكثر صرامة» استجابةً للرأي العام. والقيام بحملات إعلامية وسياسية تركز على المخاطر أو الجرائم المرتبطة بعناصر معينة «حتى لو لم تكن تمثل الأغلبية»، يزيد من الضغط لتشديد الحدود.
• مخاوف اجتماعية وثقافية حول «الاندماج»: حيث تعاني الكثير من هذه الدول تحديات في اندماج المهاجرين، مثل: التعليم، واللغة، والتوظيف، والتفاعل المجتمعي، وبالتالي تعمل على إحداث توترات محلية، تُستَخدم كذريعة لتشديد القيود وربط الهجرة بضعف الاندماج.
• كلفة مالية وضغوط على الموازنات: التمويل الدولي للجوء والاندماج مكلف «إيواء، إعاشة، محاكمات، أمن حدود، وغيرها». عندما تتراجع الموارد أو تزيد الأعباء، تظهر رغبة حكومية في التركيز على من تنطبق عليه معايير اللجوء، وتقليص غير ذلك.
أما الآن، فإن الوضع شهد تغييرًا كبيرًا على صعيد هذه الدول، وبدأت هذه الدول في طرد المهاجرين والتضييق عليهم عبر سياسات صارمة من أجل دفعهم للخروج من تلك البلاد بعد أن تم استخدامهم والاستفادة منهم. فالكثير منهم رجعوا لبلادهم، والبعض اختار دولةً أخرى.
ففي فترة الثورة الصناعية «خاصة أوائل القرن العشرين وما بعده»، احتاجت المصانع والزراعة في دول أوروبا وأميركا إلى عمالة كثيفة ورخيصة، فتم جذب المهاجرين أو السماح بدخولهم ثم تشغيلهم. وعند تغيّر الظروف الاقتصادية أو تغيّر المزاج السياسي، ظهرت حملات واسعة للترحيل أو التضييق على العمالة ذات الأوضاع غير المستقرة. لذلك شعر الكثيرون أنهم مطلوبون عندما يحتاجهم السوق، ثم يُستغنى عنهم إذا زادت القيود أو ظهرت «حاجة» سياسية أو اقتصادية لتصفية وجودهم.













