أخطر عدو للإنسان
عند قراءة الإنسان عنوان المقال، تتبادر إليه أمور كثيرة. ولكن عندما نتمعن في التفكير في القصة البشرية الأولى، التي مفادها أن الله خلق آدم
من طين، وأمر الملائكة بالسجود له تكريمًا. سجد الملائكة جميعًا، إلا إبليس؛ فقد رفض واستكبر، لأنه خُلق من نار، بينما خُلق آدم من طين. طرد الله إبليس من الجنة، فتوعد بإغواء آدم وذريته حتى يوم القيامة.
استكبر إبليس بلا شك بسبب رفضه، والاستعلاء والغرور. فبلوغه وتحقيق مراده أو رغبته مخالفة صريحة لتعاليم الله عز وجل. وترك أخطر إرث له، وهو الشهوات المضادة لتعاليم الله عز وجل والمخالفة للإنسانية.
بعد الطرد الإلهي له، لم يكتفِ بغروره وغطرسته أمام الخالق العظيم، فتوعد بإغواء آدم وذريته إلى يوم الدين. وهذا ما حدث ويحدث منذ زمن الأنبياء والرسل والأئمة، عليهم أفضل السلام، ولكن في زمنهم تصدوا لهذا الإغواء الإبليسي بورع وزهد وتعفف… نعم، الرفض التام والورع من أقوى منازل صراع الرغبات. نفذوا التعاليم الإلهية بصورة عظيمة تتجاوز مخيلة العقل البشري.
الورع في اللغة هو التقوى والكف عن المحارم والانقباض عن كل ما لا ينبغي. وفي الاصطلاح الشرعي، اجتناب الشبهات والأمور المشتبه فيها خوفًا من الوقوع في الحرام، أو ترك بعض الحلال المباح حذرًا من الوقوع في المحظور. فهذه منزلة عظيمة وبلوغها ليس بالأمر السهل.
ترك بعض الحلال المباح فقط حذرًا من الوقوع في المحظور، هذه أعظم منازل صراع الرغبات. فهناك آلاف المؤلفات في الجانب الديني تشرح بقوة هذه المنزلة. وأعتقد أن الكثير منا تعرض لموضوعات وأبحاث في الجانب الديني من قبل علمائنا ومشايخنا الأعزاء حول العالم الإسلامي. نشكرهم جزيل الشكر، ونسأل الله العلي القدير أن يمن عليهم بالصحة والعافية والخير والعطاء لخدمة هذا الدين العظيم.
عندما نأخذ «صراع الرغبات» من أجل رسالة سامية، نلاحظ شخصية تستحق أن نتعلم منها دروسًا عن الصراع والنضال: مهاتما غاندي، محامٍ وزعيم سياسي هندي، وُلد عام 1869، أسس لفكر سياسي جديد بعيد عن العنف والتمييز بين الأشخاص. قضى حياته في النضال ضد الاستعمار البريطاني لتحقيق استقلال بلاده، اغتيل عام 1948.
من وجهة نظري هناك ثلاث نقاط رئيسية:
• كانت والدته على دراية بشؤون الدولة، إضافة إلى كونها شديدة التدين، وغرست فيه الأخلاق الهندوسية، حسب ما أورده في سيرته الذاتية.
• مقولته الخاصة «وقعت بين فكّي الخطيئة، لكن الله برحمته الواسعة حماني من نفسي»، والتزم فيما بعد بعهد البراهماشاريا طواعيةً، أي التحكم في شهوات النفس.
• وقع له تحول كبير في دراسته بعد زيارته لعائلته، إذ التقى صديق والده مافجي داف الذي أقنعه بالتوجه إلى إنجلترا لاستكمال دراسته في القانون. وافقت العائلة على مقترح العالم والحكيم مافجي، الذي أشرف بنفسه على مراسم أخذ العهود، فتعهد الشاب بعدم شرب الخمر أو أكل اللحم أو إقامة علاقة مع النساء، فوافقت والدته على سفره، وأقيم له حفل وداع في المدرسة الثانوية، وشد الرحال إلى إنجلترا عام 1888 وهو في ربيعه ال 19.
نستنتج أن تأثير الأديان السماوية في الكائنات الحية هو بمثابة المنظم، مما ينتج عنه تحكم في الشهوات «صراع الرغبات»، فأسهم ذلك في خلق شخصية عالمية ذات تأثير كبير.
بعد مسيرة نضالية فاقت 30 سنة من المطالبة باستقلال الهند، لم ينعم كثيرًا بفترة ما بعد جلاء الاستعمار البريطاني لبلاده، إذ بدأ تجربة نضالية من نوع خاص تمثلت في دفاعه عن المسلمين ضد بعض المتعصبين من بني ديانته الهندوسية ونادى باحترام حقوقهم، فكان الثمن أن تعرض للاغتيال من قبل أحد المتعصبين. وتفيد بعض التقارير أن القاتل قومي هندوسي يدعى ناثورام جودسي، ممن رأى في موقفه خيانة عظمى، وأرداه قتيلًا يوم 30 يناير/كانون الثاني 1948.
شيّعه إلى مثواه الأخير في نيودلهي ملايين من الهنود، وأصبح قبره قبلة لرؤساء الدول وللضيوف الذين يزورونه على هامش حضورهم المناسبات في الهند. وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2007 جعل ذكرى ميلاده الذي يوافق يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول، يومًا عالميًا لنبذ العنف، باعتبار أن اسمه اقترن بالسلام والتسامح ونبذ العنصرية.
نُصبت تماثيله في الساحات العامة بأكثر من 50 دولة، من بينها تمثال نصفي، يُعد من أبرز التماثيل، تم إهداؤه للأمم المتحدة عام 2022، صنعه من مادة البرونز النحات الهندي الشهير رام فانجي سوتار، ويبلغ ارتفاعه حوالي 237 سنتيمترًا، وبعرض يقارب 173 سنتيمترًا، كُتبت في أسفله مقولته الشهيرة «لا يوجد طريق للسلام، بل السلام هو الطريق».
نعم، أخطر عدو للإنسان على مر جميع العصور هو «الشهوات - المنافسة في تحقيق الرغبات»، بغض النظر عن طرق الحصول عليها. وهذا للأسف ما نشهده في كل ثانية ودقيقة وساعة ويوم وشهر وعقود، حتى أصبحنا نلاحظ أممًا وثقافاتٍ وعصورًا تزول برمتها من الخريطة العالمية بسبب الشهوات والرغبات، أخطر أعداء الإنسان.
يُعد غياب مقاومة الرغبات المضادة للتعاليم السماوية والإنسانية أخطر عدو خفي للإنسان.













