آخر تحديث: 23 / 8 / 2026م - 1:18 ص

رحلة التحرر من الأنا إلى الله تعالى «5»

شجاعة الاعتراف بالخطأ

إظهار الفرد لصورته أمام الآخرين والحفاظ على إطارها اللامع يعني المزيد من المواقف والحوارات ذات القيمة، والاستمرار في خط العطاء المعنوي، ولكن البعض قد يقع أسيرا للأنا، وللحفاظ على صورته الداخلية مهما كلفه ذلك من ثمن، وهذا ما يدعوه إلى اتخاذ مواقف واتجاهات غير مقبولة عقلائيا، للمحافظة على تلك الصورة وعلى التقييم الإيجابي من الآخرين.

فيعمد البعض إلى أسلوب تبرئة النفس والدفاع المستميت عنها بأي طريقة كانت؛ فالإنسان إذا كان أسيرا للأنا، أصبح الاعتراف بصدور الخطأ منه موردا للتهديد لذاته، وانكسارا لمكانته الاجتماعية، بينما الإنسان الذي يتحرر من تسلط الأنا، ويفك قيودها المكبلة لتفكيره وسلوكه، ينطلق في فضاء التفكير والعمل والعلاقات المختلفة من منطلق تحمل المسؤولية عن كل ما يصدر منه.

فيتحرى ويدقق، ويتنبه إلى تصرفاته، لتكون على مستوى يتناسق مع المعايير والقيم الإنسانية النبيلة، وفكرة صدور الخطأ أمر وارد وطبيعي، ولا يعني أكثر من ضرورة التنبه إلى عدم تكراره مستقبلا، مع تحمل تبعاته، والعمل على إصلاح الخطأ والتقصير ومعالجته، والاستمرار في طريق العمل الجاد.

أما طريق الهرب إلى الأمام، والتخفف من النتائج المترتبة على الأخطاء بإلقاء مسؤولية ما صدر منه على غيره، فيدفع الإنسان إلى البحث عن الأعذار الوهمية والمبررات التي تحافظ على شخصيته ومكانته، كما يعتقد، ولكنه عندما ينضج فكريا، ويستوعب حقيقة الإنسان وطبيعته وإمكان صدور الخطأ والتقصير منه، يدرك أن قيمته ومكانته لا تنشآن من الصورة الموهومة بالصوابية المطلقة في كل أقواله وأفعاله.

كما أن صدور الخطأ لا يسقط من قيمته أبدا، بقدر ما يكشف عن مسار سلكه، وما عليه سوى الانتباه إلى ذلك المسار، أو إلى العامل الذي أوقعه في الخطأ، وأخذ الحيطة من تكراره مستقبلا.

وبالتالي، فإن الاعتراف بالخطأ قيمة إنسانية عالية، تساعد الإنسان على اكتشاف الكثير من المجهولات عنده، وتهبه الكثير من الدروس والعبر، وتفتح أمامه باب التعلم من الأخطاء. فالاعتراف بالعثرات والمشكلات والأخطاء لا يتعارض أبدا مع جمالية صورته، ولا مع المحافظة عليها بوصفها ذات قيمة عالية، بل إن محطة الخطأ يمكن أن تكون إضافة ومكسبا يتعلم منه الإنسان كيفية مواجهة التحديات والصعاب، وتحمل المسؤوليات، ومعالجة ذلك الانكسار، والانطلاق والنهوض مجددا.

إن القدرة على الاعتراف بشجاعة بارتكاب الخطأ والتقصير تعد من علامات قوة شخصية الإنسان، ونضجه الفكري والنفسي والأخلاقي؛ إذ يعبر ذلك عن فهم دقيق لطبيعة الإنسان، وتقبل لذاته حين يرتكب خطأ ما، فبدلا من التذرع بالتبريرات الواهية، يتحمل مسؤولياته في تصحيح الموقف ومعالجته.

فالضعيف هو الذي يحتاج إلى الانتصار لنفسه في كل موقف، واقعا تحت تأثير الأنا وتضخم الذات، حتى لو كان الحق والصواب على خلاف ما يعتقده ويتجه إليه، أما القوي فهو الذي يستطيع أن ينتصر للحق والفضيلة، حتى عندما يكون الحق شاهدا عليه وليس في صفه.

والاعتراف بالخطأ يكشف عن قدرة الإنسان على مراجعة ذاته بعيدا عن المكابرة، وعن الدفع المستميت والأعمى عن مواقفه السابقة ومحاولة تصويبها، كما أنه يحرر العقل من أسر التبرير والبحث عن مشجب يعلق عليه أخطاءه؛ لأن الإنسان قد لا يكتفي بارتكاب الخطأ، بل يبني حوله منظومة من الذرائع والحجج حتى يقنع نفسه بأنه لم يخطئ، دون أن يضع يده على موضع الخطأ أو التقصير، ودون أن يعمل على معالجته.

إن التحرر من الأنا لا يعني أن يفقد الإنسان قيمته أو صورته أمام الآخرين، وإنما يعني أن يتحرر من الحاجة إلى إثبات كماله الوهمي، فالإنسان الناضج لا يرى الاعتراف بالخطأ سقوطا، بل يراه فرصة للوعي، ومجالا للمراجعة، وبداية للإصلاح.

وحين يستطيع الإنسان أن يقول: ”أخطأت“، فإنه لا يهدم صورته، بل يعيد بناءها على أساس أكثر صدقا ونضجا، فالصورة الجميلة للإنسان لا تقوم على ادعاء العصمة من الخطأ، وإنما تقوم على صدق الموقف عند اكتشافه، وشجاعة الاعتراف به، ومسؤولية إصلاحه، والعزم على عدم العودة إليه.

وهنا تبدأ رحلة التحرر من الأنا؛ حين يتقدم الحق على الذات، ويصبح تصحيح المسار أهم من المحافظة على صورة زائفة، ويصبح الاعتراف بالخطأ طريقا إلى معرفة النفس، وتهذيبها، والارتقاء بها في مسيرها إلى الله تعالى.