حُلْمٌ خليجيٌّ للتكامل
لي حلمٌ لا يقوم على إقصاء أحد، ولا ينتقص من قدر وافد، ولا يعارض نظامًا أو توجهًا؛ بل ينطلق من مصلحة الوطن، ومن حق الاقتصادات في ترتيب أولوياتها، ومن حق المجتمعات في حماية هويتها وخصوصيتها، ومن الإيمان بأن تنظيم سوق العمل وفق الاحتياج والكفاءة والأولوية الوطنية ليس انغلاقًا على العالم، بل إدارة واعية للفرص، وحفاظٌ على التوازن، وبناءٌ لمستقبلٍ أكثر استقرارًا وتكاملًا.
العالم اليوم يشكو البطالة، ودول الخليج بحمد الله اقتصادات جاذبة، وأسواق واعدة، وبلدان رحّبت بالملايين من مختلف الشعوب، فكان الوافد شريكًا في البناء، وصاحب جهد وعطاء، وله الاحترام والوفاء. ولكن كما لكل بيتٍ ترتيب، ولكل اقتصادٍ تدبير، فليس غريبًا أن نحلم بسياسة توظيف خليجية أكثر تكاملًا، تحفظ الداخل، وتقوّي التبادل، وتوسّع الدائرة قبل أن تتجه إلى البعيد.
وحلمي أن يكون الإعلان عن الوظيفة إعلانًا حقيقيًا لا شكليًا، وأن تُمنح الأولوية أولًا للمواطن مدة كافية واضحة، فإن لم يوجد المؤهل المناسب أُتيحت الفرصة وفق أنظمة كل دولة وظروفها للفئات المقيمة فيها ذات الأوضاع الخاصة، ثم لمواطني دول مجلس التعاون، ثم للكفاءات العربية، ثم لسائر الكفاءات العالمية؛ لا انتقاصًا من أحد، بل ترتيبًا للمصلحة، وربطًا للفرصة بالبوصلة.
ولست أدعو إلى توظيف غير المؤهل، ولا إلى تقديم الجنسية على الكفاءة؛ فالمؤسسة لا تنهض بالمجاملة، والاقتصاد لا يقوى بالمحاباة. إنما الحديث عن أولوية عند توافر الكفاءة، وعن سوق خليجية تتبادل الخبرات كما تتبادل السلع والخدمات، حتى يصبح المواطن الخليجي أقرب إلى سوق خليجي واحد، وفرص أوسع، وخبرات أكبر، ودورة مالٍ أبقى وأوفر.
فكل راتب يبقى داخل المنظومة الخليجية يتحول إلى استهلاك أو ادخار أو استثمار، وكل خبرة تنتقل بين دول المجلس تزيد المعرفة والمهارة، وكل فرصة عمل خليجية مشتركة تقرّب الشعوب قبل أن تقرّب الأسواق. وهنا لا نتحدث عن المال وحده، بل عن المجتمع والهوية، وعن اللغة والعادات، وعن تقارب الأسر والثقافات، وعن بناء اقتصاد تتشابك فيه المصالح فتزداد به القوة والمناعة.
ولدي حلمٌ آخر صغير في تكلفته، كبير في معناه: أن يصبح الاتصال بين دول مجلس التعاون بتعرفة خليجية موحدة أو رمزية، وأن يشعر الخليجي وهو يتصل من الرياض إلى مسقط، أو من المنامة إلى الدوحة، أو من الكويت إلى أبوظبي، أنه يتصل داخل فضاء اقتصادي واجتماعي واحد. فالتكامل لا يبدأ دائمًا بالمشروعات العملاقة؛ قد يبدأ بمكالمة أرخص، وفرصة عمل أوسع، وقرارٍ أجرأ.
إن مجلس التعاون لم يُنشأ لتتقارب الخرائط فقط، بل لتتقارب المصالح والفرص والطاقات. وحين تتكامل الوظائف، وتتيسر الاتصالات، وتترابط الأسواق، يصبح الخليج أقوى في اقتصاده، أرسخ في مجتمعه، وأكثر قدرة على مواجهة تقلبات عالم لا يعرف السكون ولا الركون.
إنه حلم لا يخاصم أحدًا، بل يحتضن الأقرب قبل الأبعد؛ ولا يغلق الأبواب، بل يرتبها؛ ولا يرفض العالم، بل يبدأ من البيت ثم ينفتح على العالم.
فهل يأتي يوم نرى فيه سوقًا خليجية للعمل، وتعرفة خليجية للاتصال، واقتصادًا خليجيًا أكثر تكاملًا واتصالًا؟
الحلم اليوم فكرة، والفكرة غدًا مبادرة، والمبادرة إذا وجدت الحكمة والإرادة… أصبحت واقعًا يفخر به الأبناء، كما حلم به الآباء.













