آخر تحديث: 23 / 8 / 2026م - 1:18 ص

الحنين إلى أشياء لم نعشها

فوزي آل غريب *

من أغرب ما يمكن أن يختبره الإنسان أن يشتاق إلى زمن لم يمر به، وأن يشعر بدفء مكان لم تطأه قدماه، أو أن يتأثر بصورة لشارع قديم لم يعبره يومًا، كيف يمكن للذاكرة أن تفتقد ما لم تعرفه؟ وكيف يتسلل الحنين إلى شيء لم يكن يومًا جزءًا من تجربتنا الشخصية؟

ربما يبدو الأمر متناقضًا، لكنه يكشف جانبًا خفيًا من طبيعة الإنسان، فنحن لا نشتاق دائمًا إلى الماضي بوصفه زمنًا، بل إلى المعاني التي نعتقد أنها كانت تسكن ذلك الزمن، حين يتأمل شابٌ صورةً لحيٍّ قديم، أو يستمع إلى أغنية سبقت مولده بعقود، فإن ما يجذبه ليس التاريخ نفسه، بل إحساس بالبساطة، وبطء الإيقاع، ودفء العلاقات، ووضوح الأشياء، إنه يحن إلى فكرة، لا إلى حدث.

ولعل هذا يفسر لماذا أصبحت الصور القديمة تحظى بإعجاب يفوق أحيانًا الصور الحديثة، ولماذا تعود الموضات القديمة، وتنتعش الأسواق التراثية، ويقبل الناس على كل ما يوحي بأن الزمن كان أقل استعجالًا، ليست المسألة افتتانًا بالعتيق لذاته، وإنما بحثٌ عن معنى يظن الإنسان أنه فقده في الحاضر.

من منظور نفسي، لا يصنع العقل الحنين من الذكريات وحدها، بل من الخيال أيضًا، الإنسان قادر على بناء ذاكرة وجدانية لأشياء لم يعشها، مستعينًا بالحكايات التي سمعها من والديه، والصور التي رآها، والروايات التي قرأها، والأفلام التي شاهدها، ومع الزمن، تمتزج هذه العناصر حتى تبدو وكأنها جزء من سيرته الشخصية، فيصبح الماضي المتخيل أكثر حضورًا من بعض تفاصيل حياته الواقعية.

لكن ثمة سؤالًا يستحق التأمل: هل نحن منصفون مع الماضي؟ كثيرًا ما ننظر إليه من نافذة ضيقة، فنختار أجمل مشاهده ونتجاهل ما كان فيه من تعب ونقص وصعوبة، الذاكرة البشرية، سواء كانت ذاكرة شخصية أو جماعية، تميل إلى تنعيم الحواف، فتحتفظ بما يمنحها الطمأنينة، وتترك ما يعكر صفو الصورة، ولهذا قد لا يكون الحنين دليلًا على أن الأمس كان أفضل، بقدر ما هو دليل على أن الإنسان يحتاج دائمًا إلى قصة جميلة يوازن بها قلق الحاضر.

ثقافيًا، لكل مجتمع ماضيه الذي يعيد روايته باستمرار، لا يفعل ذلك لأنه يريد العودة إليه حرفيًا، بل لأنه يبحث في جذوره عن تفسير لهويته، فالأغاني القديمة، والمجالس، والحِرف التقليدية، واللهجات المحلية، ليست مجرد بقايا زمن مضى، بل علامات تساعد المجتمع على تذكّر نفسه وسط عالم يتغير بسرعة هائلة، وعندما ينجذب جيل لم يعاصر تلك التفاصيل إليها، فإنه لا يستعير ذكريات الآخرين، بل يبحث عن مكان يقف فيه بثبات داخل زمن سريع التحول.

غير أن الحنين يصبح إشكاليًا عندما يتحول إلى ملاذ دائم، فالماضي، مهما بدا جميلًا، لا يصلح أن يكون وطنًا نسكنه، وإذا انشغل الإنسان بمطاردة صورة مثالية لزمن لم يعشه، فقد يغفل عن صناعة ذكريات تستحق أن يحن إليها من سيأتي بعده، فلكل جيل ماضيه الذي سيبدو، بعد عقود، أكثر دفئًا مما كان في واقعه.

وأحسب أن أجمل ما في هذه المفارقة أنها تكشف أن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالمعاني التي يمنحها لتلك الوقائع، نحن لا نبحث عن بيت طيني لأننا نرفض البناء الحديث، ولا نستمع إلى أغنية قديمة لأن كل جديد فاقد للقيمة، وإنما لأن في داخل كل واحد منا رغبة صامتة في أن يجد إيقاعًا للحياة أقل صخبًا، وعلاقات أقل استعجالًا، وأيامًا يشعر فيها أن الزمن يسير معه لا أمامه.

لذلك، فإن الحنين إلى أشياء لم نعشها ليس هروبًا من الواقع بقدر ما هو رسالة يبعثها الحاضر إلى أنفسنا، رسالة تقول إن الإنسان، مهما امتلك من وسائل الراحة، سيظل يبحث عن شيء لا يُشترى ولا يُقاس بالتقنيات: شعور صادق بالانتماء، وطمأنينة لا تحتاج إلى تفسير، وذكريات… قد لا تكون قد حدثت، لكنها تكشف بصدق ما نفتقده اليوم.