آخر تحديث: 25 / 8 / 2026م - 12:44 ص

بيوت الله للجميع.. فلا سلطة ولا امتياز

عبد الله أحمد آل نوح *

للمساجد مكانة لا تشبه أي مكان آخر؛ فهي بيوت الله، ومواطن للعبادة والسكينة واجتماع القلوب قبل الأجساد. وقد اختصر القرآن الكريم عظمة هذه المكانة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18].

وحين يقول الله تعالى إن المساجد له، فإن أول ما يستشعره الداخل إليها أنه في مكان تتراجع فيه الفوارق الدنيوية؛ فلا مال يمنح صاحبه صفًا مختلفًا، ولا منصب يجعل الإنسان أحق ببيت الله من غيره، ولا مسؤولية تمنح صاحبها ملكية للمكان. يدخل الغني والفقير، والمسؤول والعامل، والوجيه والبسيط، والكبير والصغير، ثم يقفون جميعًا في صف واحد، إلى قبلة واحدة، وبين يدي رب واحد. وهذه المساواة التي نراها في الصف ينبغي أن نراها أيضًا في تعاملنا داخل المسجد.

لكن بعض الممارسات الصغيرة، التي قد تبدأ بحسن نية أو تتحول مع الزمن إلى عادة، يمكن أن تترك آثارًا في النفوس لم يكن أصحابها يقصدونها. فمن جهة، قد يرى أحد القائمين على المسجد أن مسؤوليته عن التنظيم والمحافظة على المكان تقتضي منه توجيه المصلين وضبط بعض التفاصيل، وهذا أمر مطلوب في أصله؛ فالمساجد تحتاج إلى من يخدمها ويحافظ على نظامها ونظافتها وراحة روادها. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحرص على النظام، ولو دون قصد، إلى شعور بالسلطة، أو يصبح الأسلوب في التعامل أقرب إلى إصدار الأوامر منه إلى خدمة المصلين. فالقيام على المسجد تكليف بالخدمة وليس امتيازًا بالسيطرة.

ومن جهة أخرى، قد يعتاد أحد المصلين على بعض الخصوصية داخل المسجد؛ في مكان جلوسه، أو بعض مرافقه، أو حفظ بعض متعلقاته، أو في طريقة التعامل معه. وربما لم يطلب ذلك أصلًا، وربما يراه أمرًا بسيطًا لا يستحق التفكير، لكن تكرار هذه الصورة أمام الآخرين قد يعطي انطباعًا بأن لهذا المصلّي خصوصية لا يتمتع بها غيره. وهنا يحتاج هو الآخر إلى أن يتوقف ويسأل نفسه: هل ما أفعله ضرورة فعلًا، أم أصبح عادة؟ وهل يمكن أن يراه الآخرون امتيازًا خاصًا، حتى وإن لم أقصد ذلك؟

وهنا تكمن دقة المشكلة؛ فليس بالضرورة أن يكون الأول باحثًا عن السيطرة، ولا الثاني باحثًا عن التميز. فقد يكون الأول حريصًا على النظام، والثاني اعتاد أمرًا يراه عاديًا، لكن سلامة النية لا تعني دائمًا سلامة الأثر. قد تكون نيتك حسنة، لكن طريقتك تزعج إنسانًا، وقد ترى تصرفك طبيعيًا بينما يراه غيرك تمييزًا أو استئثارًا. ولهذا فإن الحكمة لا تقتضي أن نسأل فقط: من المخطئ؟ بل أن نسأل سؤالًا أهم: ماذا يستطيع كل طرف أن يغير في نفسه حتى تنتهي المشكلة؟

المسؤول عن المسجد يحتاج أحيانًا إلى أن يتراجع قليلًا عن الرغبة في فرض النظام بطريقته، ويتذكر أن الكلمة اللينة تحقق أحيانًا ما لا تحققه الأوامر. وقد قال رسول الله ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه». وما أحوجنا إلى هذا الرفق في بيوت الله.

وفي المقابل، فإن المصلّي الذي يجد لنفسه معاملة أو خصوصية مختلفة يحتاج أحيانًا إلى أن يتنازل عنها طوعًا، حتى وإن كانت متاحة له، إذا كان استمرارها قد يفتح بابًا للحساسية بين الناس؛ فليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله، وأحيانًا يكون ترك الامتياز، ولو كان بسيطًا، أكثر رفعة لصاحبه من التمسك به. وهنا تحضر كلمة عظيمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم». فالمعيار الحقيقي لمكانة الإنسان ليس مقدار ما يحصل عليه من خصوصية، ولا مقدار السلطة التي يمارسها، وإنما الأثر الذي يتركه في قلوب الناس.

ومن هنا فإن الطرفين بحاجة إلى مراجعة النفس. من يتولى مسؤولية المسجد يسأل نفسه: هل أنا أخدم المصلين، أم أصبحت أريد منهم أن يشعروا بأنني صاحب القرار؟ ومن يحظى بمكانة أو خصوصية يسأل نفسه: هل وجودي يزيد الألفة بين الناس، أم أن بعض تصرفاتي، دون قصد مني، تجعل الآخرين يشعرون بأن لي في المسجد ما ليس لهم؟ لو سأل كل واحد منا نفسه هذين السؤالين بصدق، لاختفت كثير من المشكلات.

فالخصوصية ليست دائمًا خطأ، كما أن التنظيم ليس دائمًا سيطرة. هناك كبير في السن يحتاج إلى مكان مناسب، ومريض يحتاج إلى مراعاة، وذو إعاقة يحتاج إلى تسهيلات، وقد توجد ظروف تستوجب معاملة خاصة، وهذه ليست امتيازات، وإنما من الرحمة والتعاون. لكن الفرق كبير بين خصوصية تفرضها الحاجة وخصوصية تصنعها المكانة أو العادة، كما أن الفرق كبير بين تنظيم يحفظ راحة المصلين وسلطة تجعل الآخرين يشعرون أن المسجد يدار وفق رغبات الأشخاص.

ولهذا فإن أفضل علاج هو الوضوح والمساواة؛ فما كان مرفقًا عامًا فالأصل أن يكون للجميع، وما كان له تنظيم فليطبق على الجميع، وما استوجب استثناءً فليكن لحاجة مفهومة، وما احتاج إلى توجيه فليكن بالكلمة الطيبة وبعيدًا عن إحراج الناس. والأهم ألا تتحول الاختلافات البسيطة داخل المسجد إلى خصومات شخصية؛ فقد يرى كل طرف خطأ الآخر بوضوح، لكنه لا يرى الجزء الذي يحتاج هو نفسه إلى إصلاحه. وهذه مشكلة إنسانية متكررة: نرى تصرفات الآخرين من الخارج، بينما ننظر إلى تصرفاتنا نحن من خلال نوايانا. فيقول الأول: أنا أقصد التنظيم، ويقول الآخر: أنا لم أقصد التميز، وقد يكون الاثنان صادقين، ومع ذلك تبقى المشكلة قائمة.

والحل ليس أن ينتصر أحدهما على الآخر، وإنما أن ينتصر الاثنان على شيء من الأنا داخلهما. فمن تنازل قليلًا عن سلطته من أجل الألفة لم يخسر، ومن تخلى عن شيء من خصوصيته حتى لا يثير حساسية إخوانه لم تنقص مكانته، بل قد يكبر الاثنان في أعين الناس وفي نفوسهما.

إن بيوت الله لم تُبنَ لتكون ساحات لإثبات النفوذ، ولا أماكن لإظهار المكانة، ولا ميادين للتنافس على من له الكلمة أو من يحظى بالخصوصية. إنها أماكن جئنا إليها جميعًا لغاية أعظم، ولهذا فإننا بحاجة إلى ثقافة مسجدية جميلة تقوم على معادلة بسيطة: نظام بلا تسلط، وتقدير بلا امتياز، وخدمة بلا منّة، وخصوصية لا تكون إلا لحاجة.

وحين يقع خلاف، ينبغي ألا يكون السؤال: من انتصر؟ بل: ما الذي يحفظ حرمة بيت الله، وكرامة المصلين، وصفاء القلوب؟ فالمسجد الذي نريده هو ذلك المكان الذي يدخله الإنسان مهمومًا فيخرج مطمئنًا، ويدخله الغريب فيشعر أنه بين أهله، ويدخله البسيط فلا يحتاج أن يعرفه أحد باسمه أو منصبه أو ماله حتى يُحسن استقباله. وفي الوقت نفسه، يدخله المسؤول فيشعر أن شرفه في خدمة الناس، ويدخله صاحب المكانة فيشعر أن جمال مكانته في تواضعه.

فالصف الذي نقف فيه للصلاة يقدم لنا درسًا يوميًا بليغًا: الأكتاف متساوية، والقبلة واحدة، والبيت لله. فلماذا نصنع بعد الصلاة فوارق أزالها الصف قبل دقائق؟

بيوت الله أكبر من خلافاتنا، وأسمى من حساسياتنا، وأطهر من أن تدخل إليها منافسة على سلطة أو امتياز. فلنترك عند أبوابها شيئًا من ذواتنا، ولندخلها مصلين قبل أن نكون مسؤولين أو وجهاء أو أصحاب مكانة.

فبيوت الله للجميع.. فلا سلطة فيها لأحد على أحد إلا بقدر ما يقتضيه النظام وخدمة المكان، ولا امتياز لأحد على أحد إلا ما اقتضته حاجة أو رحمة.

وفي النهاية يبقى المبدأ الأبسط والأجمل:

هذا بيت الله.. ونحن جميعًا ضيوفه.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال