آخر تحديث: 28 / 8 / 2026م - 9:13 ص

حتى لا تصبح الجنازة جنازتين!

السيد فاضل الشعلة *


قبل أيام، شيعنا عمي السيد عدنان الشعلة، عليه رحمة الله.

انتهى التشييع، ووُوري جثمانه الثرى، ووقفنا في المقبرة نستقبل المعزين، وبعد دقائق، إذا بأخيه سماحة السيد مهدي الشعلة يسقط أمامنا من شدة الإجهاد.

تجمع حوله من كان قريبًا، وحاولوا إسعافه، فاستعاد وعيه، لكنه ظل متعبًا، ولعدم وجود سيارة إسعاف في الموقع نُقل بسيارة خاصة إلى المستشفى، حيث تم تنويمه.

وبعد يومين فقط من رحيل أخيه السيد عدنان، كنا نعود إلى المقبرة نفسها، لكن هذه المرة ونحن نحمله.

مشهد ثقيل لا يحتاج إلى كثير من الوصف، ولكن الأمر والمرجع لله.

انتهى تشييعه، ووقفنا من جديد نستقبل المعزين في المقبرة، وإذا بالمشهد يتكرر أمامنا؛ أحد الأقرباء يسقط من شدة التعب والإجهاد، ويُنقل إلى المستشفى.

والحمد لله، خرج هذه المرة سالمًا.

هنا بقي السؤال معي:

من يُسعف المشيّعين؟

لا أعلم إن كان وجود سيارة إسعاف أو مسعف لحظة سقوط عمي السيد مهدي سيغير ما حدث، فهذا علمه عند الله، لكن ما أعلمه أن التدخل الإسعافي العاجل في كثير من الحالات يسهم في إنقاذ الأرواح، وأننا خلال تشييعين متتاليين، وفي المكان نفسه تقريبًا، احتجنا مرتين إلى إسعاف شخص من المشيعين.

فهل هي مجرد مصادفة لا تستحق التوقف عندها؟

التشييع بطبيعته ليس تجمعًا عاديًا؛ فأنت تجمع في وقت واحد كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة، ومن أنهكهم الحزن، ومن لم ينم جيدًا، ومن لم يأكل كما اعتاد، ثم تضيف إلى ذلك الوقوف والمشي وحمل الجنازة والزحام، وربما الحر والرطوبة كما في هذه الأيام.

كل هذه العوامل تجتمع في لحظة واحدة، بينما يكون معظم الحاضرين منشغلين أصلًا بالراحل الذي جاؤوا لتشييعه.

فماذا لو أصيب أحد المشيعين؟

هنا تبدأ الأسئلة بعد وقوع الطارئ: هل يوجد مسعف بين الحاضرين؟ هل يعرف أحد الإسعافات الأولية؟ من يتصل بالإسعاف؟ كم سيستغرق وصول سيارة الإسعاف؟ وكيف ننقل المصاب إن تأخرت؟ وهل حالته تسمح أصلًا بنقله بسيارة خاصة؟

أسئلة يفترض - ربما - أن نسأل بعضها قبل أن يسقط أحد، لا بعده.

ولهذا أتساءل: لماذا لا يكون الجانب الإسعافي جزءًا من الاستعداد للتشييع؟

لا أعني هنا أن ترافق سيارة إسعاف كل جنازة، فربما يكون هذا صعبًا، وربما لا تكون الحاجة إليه في كل الحالات، لكن الحل لا يلزم أن يكون واحدًا.

هل يمكن مثلًا وجود مسعف مؤهل ضمن تنظيم التشييع؟

هل يمكن تجهيز المقابر بنقطة إسعافية؟

هل يمكن توفير حقيبة طوارئ وجهاز صدمات كهربائية للقلب مع أشخاص مدربين على استخدامه؟

أم أن لدى الجهات المختصة حلولًا أخرى أكثر عملية؟

لست هنا لأحدد الحل، وإنما لأفتح السؤال، وأتمنى ألا نضطر إلى طرحه مجددًا قريبًا بسبب حوادث مشابهة تجعل من الفقد فقدين.

وهذا ما حدث معنا حين فقدنا سماحة العم السيد مهدي، الذي كان من المنتظر أن يحضر فاتحة أخيه في الحسينية واقفًا بين المعزين، فإذا به يحضرها جنازة على نعشه.