الأهل على خطأ، والحياة على خطأ، والشغف جائع!
«تنويه: هذا مقال مادي بشهادة امتياز من المعهد الدولي لدراسة العلاقة بين الخنفساء والبطالة»
كنت طالعًا مع أحد الإخوة نشرب شايًا، وفي منتصف الجلسة التفت إليّ وقال: «ليش ما تكتب مقالًا عن إجبار الأهل أبناءهم على تخصصات ما يريدونها؟ الولد مسكين يُقمع ويُجبر وشغفه يُدفن وهو ما يملك أي خيار.» فنظرت إليه وقلت له ما يريد سماعه مني بالضبط: «صح، الأهل ما لهم حق، كل واحد يختار مستقبله بنفسه، حسبي الله ونعم الوكيل يا شيخ». وشربنا الشاي وانتهت الجلسة. لكني لم أصدق نفسي لحظة واحدة.
لأن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأقل رومانسية مما تبدو في جلسات الشاي.
صحيح أن قصص الأهل الذين يُجبرون أبناءهم على تخصصات بعينها بحجة «عيننا عليك باردة يا دكتور» قصص حقيقية ومؤلمة، وصحيح أن فيها ظلمًا. لكن دعني أسألك سؤالًا واحدًا قبل أن تتحمس للدفاع عن شغف الابن: هل أنت مستعد أن تصرف على هذا الابن بقية حياته وهو يدرس «تاريخ حضارات الخنفساء» ويبحث عن توظيف في تخصص لا يعلم بوجوده إلا الله وبعض الحشرات؟ إن كنت مستعدًا، فأنت إنسان نبيل جدًا وعندك فلوس زيادة. وإن لم تكن، فأهلاً بك في عالم الأهل الواقعيين.
الأهل الذين يدفعون ابنهم نحو الطب أو الهندسة أو القانون لا يفعلون ذلك من فراغ ولا من حب السيطرة، يفعلون ذلك لأنهم رأوا الحياة وما رأوا فيها أن الشغف يدفع الإيجار. رأوا أن صاحب الشغف الجميل في «الفنون التشكيلية» أو «الدراسات الدينية» أو «فلسفة الخنفساء» يجلس في البيت بعد التخرج يفكر كيف يشرح لأهل خطيبته أن راتبه «قادم إن شاء الله». ورأوا زميله الدكتور أو المهندس يجلس في عيادته أو مكتبه وعيننا عليه باردة فعلاً، لأن البرودة أحياناً ليست كبتًا للشغف، بل شعورًا حقيقيًا بالارتياح على مستقبل واضح.
وهنا تكمن المعضلة التي لا يحبها أحد في جلسات الشاي: الشغف الذي لا يُطعم صاحبه، هل هو حرية أم ترف؟ حين يقول الابن «أريد أن أدرس الموسيقى»، سؤال الأهل الحقيقي ليس: «هل تحب الموسيقى؟»، بل: «كيف ستعيش بالموسيقى؟ وكيف ستصرف على نفسك وزوجتك وعيالك في زمن مادي كهذا؟ وشنو بتسوي بشغفك لما تقعد آخر الشهر وما عندك تشيل معاك إلا خنفساء وخنافس؟» وهذا السؤال، مهما بدا تجاريًا وماديًا وغير ملهم، هو سؤال منطقي جداً من شخص يحبك ويخاف عليك، لا من شخص يريد أن يسجنك.
لكن، ولهذه ال«لكن» ثمن، الأهل ليسوا على حق بالكامل. لأن الحل ليس الاختيار بين شغف جائع ومستقبل تعيس، الاثنان وجهان لنفس الفشل. الابن الذي يدرس تخصصًا يكرهه لعشرين سنة ثم يعمل فيه لأربعين سنة أخرى، لن يكون دكتورًا سعيدًا يجعل عيونكم باردة. سيكون شخصًا ينجز بجسده ويغيب بروحه ويصرف على أسرته بيد وعلى علاجه النفسي باليد الأخرى. وهذه عيناها ما باردتين.
ما يغيب عن هذه المعادلة كلها هو السؤال الثالث الذي لا يطرحه أحد: هل بين «دكتور بلا شغف» و«خنفساء بلا راتب» خيار ثالث؟ والجواب: نعم، لكنه يحتاج حوارًا حقيقيًا بين أهل يسمعون، وابن يفكر. لا أهلًا يُملون، ولا ابنًا يحتج. حوارًا فيه سؤال بسيط: ما الذي تريده فعلًا، وكيف نجعله يُطعمك أيضًا؟ هذا السؤال أصعب من «طب ولا هندسة» وأصعب من «اتركه يتبع شغفه»، لكنه الوحيد الذي ينتج ابنًا سعيدًا وأهلًا باردة عيونهم بشكل حقيقي، لا بشكل يُقال في المجالس.
وصديقي الذي حدثني عن المقال على الشاي؟ هو في السنة الثانية في كلية الطب. وحين سألته لماذا اختار الطب، صمت لحظة ثم قال: «أهلي». فضحكت وشربت الشاي. وهو لم يضحك!














