آخر تحديث: 28 / 8 / 2026م - 10:28 م

نكتة حزينة

فوزي آل غريب *

بعض المواقف تمرّ علينا عابرة، ثم نكتشف بعد انتهائها أنها لم تكن عابرةً أبدًا. تلمس شيئًا قديمًا في داخلنا، وتوقظ شعورًا ظنناه انتهى منذ زمن. نبتسم أمام الآخرين وكأن الأمر لا يعنينا، بينما في أعماقنا حديثٌ طويل لم نقله لأحد. وربما أقسى ما في بعض اللحظات أننا نتظاهر بخفّتها، لا لأننا تجاوزناها، بل لأننا تعلّمنا كيف نخفي ثقلها جيدًا.

نحن لا نضحك دائمًا لأن الأشياء مضحكة؛ أحيانًا نضحك لأن البكاء صار مكلفًا، ولأن في أعماق الإنسان كبرياءً غريبًا يمنعه من أن يمدّ يده إلى أحد قائلًا: «أنقذني». فيختار الضحك، ذلك القناع القديم الذي أتقنته بعض الوجوه، حتى يصبح الضحك أحيانًا مجرد قناعٍ يخفي وراءه ما لا نملك شجاعة البوح به.

وربما لهذا، ثمة لحظات يصبح فيها الضحك نوعًا من النجاة. يضحك المرء في مجلسٍ عام، ثم يعود إلى غرفته فيخلع ابتسامته كما يخلع معطفًا مبتلًا، ويجلس وحيدًا أمام مرآة لا تجامل.

وهنا، حين لا يكون للضحكة جمهور، تظهر الحقيقة كاملة؛ عينان متعبتان، وقلبٌ يراجع أسماء الذين مرّوا به ثم غادروا، وأشياء كثيرة لم تُقل لأن توقيتها كان دائمًا خاطئًا.

ما أكثر الذين يتقنون صناعة النكتة من جراحهم. يروون خيباتهم بخفة، ويضعون الألم في قالبٍ ساخر، ثم يسبقون الآخرين إلى الضحك، كأنهم يريدون أن يسبقوا الشفقة. فالإنسان، حين يخشى أن يُرى منكسرًا، قد يختار أن يظهر ساخرًا، والسخرية هنا ليست احتقارًا للحياة، بل طريقة أخرى للتعايش معها؛ أن تنظر إلى جرحك وتقول: «أعرف أنك تؤلمني، لكنني لن أمنحك شرف أن تهزمني».

ولذلك كانت بعض النكات أشبه بالمرايا؛ تضحك منها في اللحظة الأولى، ثم تكتشف بعد قليل أنك كنت تضحك على نفسك، على أحلامٍ صدّقتها أكثر مما ينبغي، وعلى أشخاصٍ منحتهم من قلبك مقاعد لم يكونوا يستحقونها، وعلى أبوابٍ ظللت تطرقها طويلًا، بينما كان أصحابها قد أطفأوا الأنوار ورحلوا منذ زمن.

والحياة نفسها، في كثير من الأحيان، تكتب نهاياتها بسخريةٍ لا نراها إلا بعد فوات الأوان، تمنحنا ما نريد بعد أن نفقد الرغبة فيه، وتعرّفنا قيمة الأشياء بعد رحيلها، وتضع الأشخاص المناسبين في الطريق الخطأ، ثم تطلب منا أن نبتسم وكأن الأمر كله مجرد مصادفة. وربما كانت هذه إحدى أكثر مفارقات الوجود قسوة: أننا لا نفهم بعض النعم إلا عندما تتحول إلى ذكريات.

وهناك نكتة أخرى أكثر حزنًا: أن الإنسان يعتاد.

يعتاد الغياب حتى يصبح الكرسي الفارغ جزءًا من أثاث البيت، ويعتاد الصمت حتى لا يعود يبحث عن صوتٍ في آخر الليل، ويعتاد الخذلان حتى يصبح حسن الظن عنده مخاطرةً محسوبة، وما نسميه أحيانًا قوة ليس إلا قدرةً طويلة على التعايش مع ما كان ينبغي ألا نتعايش معه.

لكن هل الاعتياد شفاء؟ ربما لا. فالجرح الذي لا ينزف لا يعني أنه التأم، والنافذة التي لا نفتحها لا تعني أن القلب لم يعد يحتاج إلى هواء. بعض الأحزان لا تغادرنا؛ إنها فقط تتعلم كيف تجلس بهدوء في زاوية بعيدة من الروح، فلا نراها كل يوم، لكنها تعرف الطريق إلينا حين نضعف.

لهذا تبدو بعض الضحكات غريبة، تسمعها فتظن أن صاحبها سعيد، بينما هي في الحقيقة مجرد رسالة مشفّرة من قلبٍ يقول: «أنا بخير، فلا تسأل كثيرًا». وربما كان السؤال نفسه هو الشيء الوحيد الذي يحتاجه ذلك القلب؛ سؤالًا صادقًا لا يُقال من باب المجاملة، ونظرةً لا تمرّ سريعًا على الوجه، ويدًا تعرف متى تقترب ومتى تترك للإنسان مساحةً كي يجمع شتاته.

في النهاية، ليست المأساة أن نحزن، فالحزن جزء من طبيعة الإنسان، وإنما المأساة أن نضطر إلى تحويل أحزاننا إلى نكات حتى نستطيع مواصلة الحياة. ومع ذلك، ربما في الأمر جمال خفي؛ أن يستطيع القلب، رغم كل ما انكسر فيه، أن يجد نافذةً صغيرة للضحك.

وهكذا تبقى «النكتة الحزينة» أكثر من مجرد مفارقة؛ إنها صورة للإنسان حين يقف بين دمعةٍ وابتسامة، لا يعرف أيهما أصدق. يضحك كي لا يبكي، ويمزح كي لا يشرح، ويقول «لا بأس» بينما في داخله ألف «بلى، هناك الكثير من البأس».

وربما أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يتوقف عن الضحك، ولا أن يخجل من حزنه، بل أن يفهم أن خلف بعض الابتسامات حكاياتٍ كاملة لم تجد من يقرأها. فليست كل ضحكةٍ فرحًا، وليست كل دمعةٍ ضعفًا، وأحيانًا تكون أكثر الأشياء صدقًا تلك التي جاءت إلينا في هيئة نكتة… ثم تركتنا وحدنا نفهم لماذا كانت حزينة.