عبدالله النصر.. مسيرة سردية تمتد من الأحساء إلى فضاءات الأدب العربي

يُعد القاص والروائي السعودي عبدالله محمد النصر واحدًا من الأصوات السردية التي بنت تجربتها الأدبية على مدى سنوات طويلة من الكتابة والمشاركة الثقافية والحضور في المشهد القصصي والروائي السعودي والعربي. فمن بلدة الجبيل بالأحساء انطلقت خطواته الأولى، قبل أن تتسع تجربته لتشمل القصة القصيرة والرواية والمسرح والمقالة والنقد والأنشطة الثقافية والإعلامية.
تمثل القصة القصيرة أحد أبرز ملامح تجربة عبدالله النصر، وقد أصدر على امتداد مسيرته عددًا كبيرًا من المجموعات القصصية، بدأت بمجموعة «بعث في خلايا مستقيلة» التي طبعت في مطابع الأحساء عام 1424 هـ، وهي المجموعة التي ارتبطت أيضًا ببداية حضوره في الجوائز الأدبية، إذ حصل بها على المرتبة الثالثة في مسابقة القصة القصيرة للشباب السعودي التي نظمها نادي جازان الأدبي لعام 1421/1422 هـ.
وتوالت بعد ذلك مجموعاته القصصية، ومنها «في المنعطف» الصادرة عن نادي المنطقة الشرقية بالدمام عام 1429 هـ، و«من قاع النسيان» عن دار الكفاح للنشر والتوزيع في العام نفسه، ثم «إحساس» عن نادي الجوف الأدبي عام 1433 هـ، و«يوتوبيا الطين» عن نادي الباحة الأدبي عام 1436 هـ.
كما أصدر «لا يتنفسون إلا بسلطان» عن ملتقى ابن المقرب الأدبي عام 1438 هـ، و«تسونامي كالغيمة أو أخف عبورًا» عن منتدى النورس الثقافي بالقطيف عام 1440 هـ، ثم «رجالٌ خياراتهم جهنم» عن دار النابغة للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية عام 1445 هـ، وصولًا إلى مجموعته «الأحساء خفايا الأرواح» الصادرة عن دار النابغة عام 2025 م.
ولا تزال تجربته القصصية مفتوحة على مزيد من الإنتاج، إذ لديه أربع مجموعات قصصية أخرى قيد الطباعة.
لم يحصر عبدالله النصر تجربته في القصة القصيرة، بل خاض عالم الرواية، وقدم عددًا من الأعمال التي تعكس اهتمامه بتوسيع أدواته السردية والانتقال من التكثيف القصصي إلى المساحات الرحبة للرواية.
كانت روايته «مرآة تطلق الرصاص»، الصادرة عن دار الانتشار العربي في بيروت عام 1433 هـ، إحدى محطاته الروائية المهمة، ثم جاءت رواية «كارزمي من فم امرأة» الصادرة عن مركز تبارك لرعاية الإبداع بالدمام وطبعتها دار أطياف عام 1437 هـ.
وأتبعها برواية «أبي وابنة القرية» التي طبعتها دار السكرية في جمهورية مصر العربية عام 1438 هـ، ثم «شيفرة قسمة» عام 1446 هـ بعناية الأديب المهندس عبدالله الشايب.
وتنتظر تجربته الروائية محطة جديدة مع رواية «الكهف الأظل»، إضافة إلى روايتين أخريين قيد الطباعة، وهو ما يشير إلى استمرار مشروعه الروائي بالتوازي مع مشروعه في القصة القصيرة.
لم تكن تجربة عبدالله النصر قائمة على التأليف والنشر وحدهما؛ فقد انخرط في المؤسسات والملتقيات الثقافية، وأسهم في عدد من المبادرات الأدبية.
فهو عضو مؤسس في نادي القصة القصيرة التابع لبيت الثقافة بالدمام، وعضو الجمعية العمومية لجمعية الأدب المهنية في السعودية، وعضو كتاب الدمام، كما سبق أن كان عضوًا في نادي المنطقة الشرقية الأدبي، ومنتدى سيهات القصصي، وملتقى ابن المقرب الأدبي، ومنتدى النورس الثقافي، إلى جانب عضويته في رابطة اتحاد الكتاب العرب الإلكترونية.
وشغل في مرحلة سابقة منصب مساعد منسق لجنة السرد في نادي المنطقة الشرقية الأدبي بالدمام خلال الفترة من 1/1/1428 هـ إلى 1/6/1429 هـ.
وقد أتاحت له هذه التجربة المتراكمة المشاركة في تحكيم العديد من مسابقات القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا والأنشطة الأدبية لدى جهات سعودية وعربية، كما قدم ورش عمل ومحاضرات متخصصة حول القصة القصيرة، سواء بصورة حضورية أو عبر المنصات الافتراضية.
وأقيمت له أمسيات ولقاءات وحوارات أدبية وثقافية في عدد من الأندية والجمعيات والملتقيات والمنتديات داخل المملكة وخارجها، كما استضافته قنوات تلفزيونية وإذاعات سعودية وخليجية في مقابلات تناولت تجربته الأدبية.
امتد حضور عبدالله النصر خارج حدود المملكة، فمثّل المملكة العربية السعودية في عدد من المناسبات الأدبية والثقافية العربية.
ومن أبرزها مشاركته في ملتقى القصة القصيرة جدًا في حلب بالجمهورية العربية السورية عام 1426 هـ، ومشاركته في أسرة الأدباء والكتاب بمملكة البحرين في المنامة عام 2021 م.
كما شارك في العراق خلال عام 2025 م، من خلال ملتقى الرافدين للثقافة والحضارة في مدينة كربلاء، ثم مشاركته في مجلس الحاج مالك عبدالأخوة الخفاجي في مدينة بابل.
وتمثل هذه المشاركات جانبًا من انتقال تجربته من البيئة المحلية في الأحساء والمنطقة الشرقية إلى فضاء ثقافي عربي أوسع.
لعبدالله النصر إسهامات مسرحية أيضًا؛ إذ كتب عددًا من الأعمال، ومن أبرزها مسرحية «هزيمة الشيطان» التي عُرضت على مسرح الزواج الجماعي في بلدة الجبيل بالأحساء.
كما كان ضمن المتبنين للحركة التمثيلية في بلدته، وكتب ثلاث تمثيليات هي «الندم» و«اليتيم» و«من المسؤول؟»، وتحولت إلى أعمال مرئية سجلت على أشرطة الفيديو.
أما تجربته الصحفية والإعلامية، فتبرز فيها مبادرته إلى تأسيس وتحرير مجلة الرسالة الدينية والثقافية في بلدة الجبيل عام 1429 هـ، واستمرت المجلة خمس سنوات، وصدر منها 35 عددًا.
وكان كذلك من مؤسسي الجلسة الثقافية الأدبية في بلدة الجبيل بالأحساء عام 1422 هـ، ومن مؤسسي جلسة ثقافية أدبية أخرى في مدينة الخبر عام 1425 هـ، كما عمل محررًا ومشرفًا على الأقسام الأدبية في بعض المواقع الثقافية العربية على شبكة الإنترنت.
إلى جانب الإبداع القصصي والروائي، كتب عبدالله النصر عددًا كبيرًا من المقالات الأدبية المتعلقة بالقصة القصيرة، وقدم قراءات نقدية لأعمال سردية مختلفة.
ونُشرت أعماله القصصية ومقالاته الأدبية والثقافية في صحف ومجلات ورقية داخل المملكة وخارجها، إلى جانب حضورها في الصحافة والمواقع والمنتديات الثقافية العربية الإلكترونية.
وهذا التنوع بين المبدع والناقد والمحاضر والمحكّم والناشط الثقافي منح تجربته أبعادًا متعددة، فلم يعد حضوره مقتصرًا على إنتاج النص، بل امتد إلى المشاركة في صناعة الحراك الثقافي نفسه.
حظيت تجربته بعدد من الجوائز والتكريمات، ومن أبرز محطاتها حصوله على المرتبة الثالثة في جائزة نادي جازان الأدبي للقصة القصيرة للشباب السعودي عن مجموعته «بعث في خلايا مستقيلة».
كما حصل على جوائز أخرى في مسابقات القصة القصيرة من جهات أدبية وثقافية داخل المملكة وخارجها، ونال تكريمات وشهادات أدبية وثقافية وفخرية من مؤسسات وجهات متعددة.
وقد حظيت سيرته وتجربته باهتمام توثيقي أيضًا، إذ تناول الإعلامي والقاص الراحل جاسم علي الجاسم جانبًا من مسيرته الثقافية والأدبية في كتابه «فسيفساء نخلة، الأديب عبدالله النصر، هكذا كان» الصادر عام 1437 هـ.
عند قراءة السيرة الأدبية لعبدالله النصر، يبرز بوضوح ارتباطه بالمكان؛ فالأحساء والجبيل والمنطقة الشرقية ليست مجرد بيانات جغرافية في سيرته، وإنما تشكل خلفية ثقافية واجتماعية رافقت رحلته الطويلة مع السرد. ويبدو هذا الارتباط بصورة أكثر مباشرة في عناوين بعض أعماله، ولا سيما مجموعته «الأحساء خفايا الأرواح».
إن مسيرة عبدالله النصر، الممتدة عبر عقود، تقدم نموذجًا للأديب الذي لم يكتف بإصدار الكتب، بل جعل من الأدب نشاطًا متصلًا بالمجتمع: يكتب القصة والرواية، ويشارك في المسرح، ويؤسس المجلات والجلسات الثقافية، ويقدم الورش والمحاضرات، ويحكّم المسابقات، ويشارك في الملتقيات داخل المملكة وخارجها.
ومن بلدة الجبيل بالأحساء بدأت الحكاية، ثم مضت إلى الدمام والخبر، ومنها إلى فضاءات ثقافية عربية متعددة، بينما بقي السرد هو الخيط الذي يجمع مراحل هذه الرحلة.
وبين عشر مجموعات قصصية منشورة وأخرى تنتظر الطباعة، وعدد من الروايات المطبوعة والمشروعات الروائية المقبلة، فضلًا عن المسرح والمقالة والنقد والعمل الثقافي، تبدو تجربة عبدالله النصر مشروعًا أدبيًا مستمرًا لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
إنها مسيرة تؤكد أن الأديب لا تصنعه لحظة واحدة، ولا كتاب واحد، ولا جائزة واحدة؛ وإنما يصنعه التراكم، والاستمرار، والإيمان بالكلمة، والقدرة على تحويل التجربة الإنسانية والمكان والذاكرة إلى حكاية تبقى بعد انقضاء لحظة كتابتها














