نحن نعيش ثورة أهم أضلاع المثلث
كتبت سابقًا مقالًا بعنوان «أهم أضلاع المثلث»، والآن نعيش ثورة معرفية لا مثيل لها. فالعالم بدأ بالثورة الزراعية حين بدأ الإنسان لأول مرة بزراعة المحاصيل وتدجين الحيوانات، ثم الثورة الصناعية، التي أتاحت لنا أتمتة الكثير من الأعمال البدنية، مما جعل السلع المادية بشكل عام أقل تكلفة وأكثر وفرة. بالفعل، قلّصت الثورة الصناعية الحاجة إلى العمل اليدوي. استبدلت الثورة الصناعية الإنتاج الآلي بالحرفية اليدوية، مما مكّن من تكرار السلع وتصنيعها على نطاق واسع. أصبح بالإمكان إنتاج الأحذية والسيارات والمحاصيل بكفاءة وانتظام. لكن المنتجات أصبحت أيضًا أكثر رتابة، وقابلة للتنبؤ، ومجردة من هويتها الفردية. تراجعت الحرفية إلى الهامش، لتصبح ترفًا أو شكلاً من أشكال المقاومة. وهناك دول عاشت الثورة النفطية وانعكس عليها الازدهار في مجالات متعددة.
كانت الثورة المعرفية حركةً فكريةً ظهرت في منتصف القرن العشرين، ونقلت دراسة علم النفس والعلوم من التركيز على المدرسة السلوكية إلى التركيز على العمليات الداخلية للعقل.
قبل هذه الحركة، هيمنت المدرسة السلوكية على علم النفس في الفترة الممتدة من ثلاثينيات القرن العشرين إلى خمسينياته. فقد جادل السلوكيون بأن على العلماء دراسة السلوك القابل للملاحظة والقياس فقط، معتبرين أن الحالات الذهنية الداخلية ذاتية للغاية ويصعب قياسها بموضوعية. غيرت الثورة المعرفية هذه النظرة، إذ تعاملت مع العقل باعتباره معالجًا نشطًا للمعلومات، وليس مجرد متلقٍّ سلبي للمحفزات الخارجية.
ساهمت أدوات جديدة مستمدة من علوم الحاسوب واللسانيات والذكاء الاصطناعي في إطلاق هذا النهج الجديد. وبدأ باحثون في مؤسسات مثل جامعة هارفارد**،** أمثال جورج ميلر، ونعوم تشومسكي، وجيروم برونر في تحليل الذاكرة البشرية، واللغة، وعمليات التفكير. وقد استخدموا الحاسوب كاستعارة توضيحية، حيث شبهوا الدماغ بالمكونات المادية «Hardware» والعمليات الذهنية بالبرمجيات «Software». وشكّلت هذه الشبكة متعددة التخصصات حجر الأساس لعلم الإدراك**، أو «العلوم المعرفية» الحديثة**.
أما الآن، وفي ظل الثورة المعرفية، مع وجود مصانع الذكاء الاصطناعي واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات في الرقائق الإلكترونية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن العمل الذهني يشهد أتمتة واسعة النطاق تشمل جميع القطاعات والمهن، بدءًا من استقبال القضايا القانونية ومعالجتها، ومرورًا بإنتاج المحتوى، ووصولًا إلى البحث العلمي.
والسؤال هنا: هل يُدفع مقابل العمل البدني مبلغ أقل بكثير مما يُدفع مقابل العمل المعرفي؟
هذا سؤال موجه للمشككين المتبقين وأولئك الذين لم يواكبوا التطور بعد، والذين يزعمون أن الذكاء الاصطناعي مجرد «فقاعة»، فما نشهده هو أتمتة جوهرية للقدرات المعرفية.
إن هذا التحول يستهدف قطاع الخدمات بأكمله في الاقتصاد، وهو القطاع الذي يمثّل 70% من الناتج المحلي الإجمالي للدول المتقدمة، وبقيمة تتجاوز 10 تريليونات دولار في الولايات المتحدة وحدها. لذا، فالأمر ليس مجرد فقاعة.
قد يسأل القارئ: ما الجديد في ذلك؟
قبل عدة أيام، سمعت نقاشات ممتعة ومدهشة عبر برامج متعددة: حول إمكانية تغيّر دور التعليم التقليدي وتقلّصه في المدارس والجامعات في ظل هذا الكم الهائل من المعرفة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. ويتابع التعليق بأن الذكاء الاصطناعي مجرد برمجة من صنع البشر، فكان العلماء في حيرة من أمرهم لاختيار اسم لهذه البرمجة، فتم اختيار اسم «الذكاء الاصطناعي» ليكون اسمًا لاختراع مميز للبشرية. والبعض يثير إعادة التفكير في الفترة الزمنية الطويلة**، التي تُقدّر بـ 12 سنة** بالمراحل الدراسية المختلفة. فهذه النقاشات خرجت من شخصيات لها باع وخبرة طويلة، تستحق النظر فيها.
ومن هنا، نسأل أنفسنا: هل سوف تختفي المؤسسات التعليمية تدريجيًا في ظل الثورة المعرفية العالية الدقة؟ ففي الوقت الراهن، هناك تحديات كبيرة تتمثل في استعانة الطلبة بالذكاء الاصطناعي في مجالات أبحاثهم العلمية، في مقابل مواجهة صعوبات تحديد مستويات الطلبة الحقيقية بسبب الدقة وزخم المعلومات التي يعالجها هذا النظام في أجزاء من الثانية.
بما أن العالم الإسلامي والعربي يواجه تحديات كبيرة في مجالات متعددة مقارنة بالعالم الغربي، أعتقد أنه يجب علينا دراسة هذا الموضوع على مستويات أكاديمية رفيعة، وتحديد الإيجابيات والسلبيات لسد الثغرات في كلا العالمين، وأخذ عامل الوقت في الحسبان للتطور والتقدم:
• هل سوف تتحول المؤسسات التعليمية إلى مراكز تخصصية وعملية مركزة؟
• هل ستكون المؤسسات التعليمية مراكز لاختبار المؤهلات والتحقق منها؟
• هل علينا مراجعة التفكير في الفترة الزمنية للدراسة التقليدية، واستبدالها أو تخفيضها من أجل مجالات أخرى كالزراعة والصناعة والتحول الرقمي…؟
• بما أن تعداد السكان في العالمين الإسلامي والعربي كبير جدًّا، قد تكون إعادة التفكير وإعداد دراسات عميقة من أجل التخطيط المهني والاستدامة في البيئة ومجالات أخرى أمرًا بالغ الأهمية. فمعالجة التغيرات المناخية مطلب عالمي لتفادي أكبر تهديد للبشرية.
والقائمة تطول…














