آخر تحديث: 30 / 8 / 2026م - 11:15 م

لماذا دارين؟ رسالة من كاتب كندي إلى مكانٍ لم يعش فيه

جوشوا و. ج. براون *

لم أزر دارين. وهذه أول حقيقة يجب أن تبقى في صدر النص لا في هامشه.

أنا وُلدت في سارنيا، ونشأتُ في كورترايت، بلدة صغيرة في جنوب غرب أونتاريو على ضفة نهر سانت كلير. ومع ذلك، حين طرحتُ على نفسي سؤالاً غريباً لو كنتُ قد وُلدت في المملكة العربية السعودية، فأين كان يمكن أن أولد؟ انتهيتُ بعد بحث طويل إلى دارين على جزيرة تاروت.

أعرف تماماً أن هذه الجملة يمكن أن تُساء قراءتها. لذلك أريد أن أشرح ما أعنيه، والأهم ما لا أعنيه.

لا أقول إن دارين ”تشبهني“ لأنني قرأتُ عنها. ولا أدّعي أنني لو تخيلتُ نفسي فيها صرتُ من أهلها. ولا أبحث عن نسب شرقي، أو قبيلة، أو طائفة، أو تاريخ أستعيره كي يصبح النص أكثر إثارة.

أنا أبحث في سؤال آخر: ما الذي يصنع الإنسان من المكان الذي يولد فيه؟

كورترايت، بالنسبة إلى أغلب من لا يعرفها، نقطة صغيرة على الخريطة.

بالنسبة إليّ هي نهر ومصانع وطرق وشاحنات وسفن وعائلات وعمال ومنازل وحقول وحدود دولية على مسافة نظر. هي مكان يبدو هامشياً إذا نظرنا إليه من تورونتو، لكنه يقع داخل شبكة ضخمة من الصناعة والطاقة والملاحة والتجارة.

كبرتُ أيضاً قريباً من عالم الصيانة الميكانيكية. أبي من ذلك العالم الذي يعرف أن الآلة لا تنتظر التقرير كي تفشل، وأن العامل المتمرس يسمع أحياناً في الضجيج ما لا يراه المدير في الجدول. لذلك لم تصبح الصناعة عندي لاحقاً موضوعاً اقتصادياً مجرداً. صارت جزءاً من فهمي للأسرة والطبقة والمعرفة والجسد.

حين بدأتُ أقارن المناطق السعودية، لم أبحث عن أجمل مدينة ولا أكثرها شهرة. بحثتُ عن المكان الذي يجتمع فيه الماء والعمل الصناعي والذاكرة المحلية القديمة والمجتمع الصغير والاقتصاد الأكبر منه.

لهذا توقفتُ عند القطيف. ثم عند تاروت. ثم عند دارين.

وجدتُ في دارين شيئاً أعرفه من دون أن يكون هو الشيء نفسه: المكان الصغير الذي تمر حوله منظومات هائلة.

البحر هنا ليس خلفية. النفط ليس خبراً بعيداً. رأس تنورة ليست مجرد اسم صناعي. تاروت ليست قطعة أرض منعزلة عن تاريخ الخليج. والقطيف ليست هامشاً ينتظر المركز كي يمنحه معنى.

هذه العناصر لا تجعل دارين ”كورترايت السعودية“. مثل هذا التشبيه سيكون كسولاً. لكنها تجعل المقارنة مفيدة لأنها تكشف الفرق بقدر ما تكشف التشابه.

لو وُلدتُ في دارين، لما كنتُ أنا نفسه مع تغيير المنظر.

لغتي الأولى كانت ستتغير. المدرسة ستتغير. البيئة الدينية ستتغير. علاقة الأسرة بالمجتمع ستتغير. تاريخ المكان الذي أتعلمه في البيت وخارج البيت سيختلف. حتى علاقتي بجسدي كرجل مثلي كانت ستدخل نظاماً اجتماعياً وقانونياً مختلفاً جذرياً عن كندا.

وهنا يصبح الخيال مسؤولية.

لا أستطيع أن أقول من كانت ستكون عائلتي. لا أستطيع أن أختار لنفسي نسباً أو مذهباً ثم أتكلم من داخله كما لو عشته. لا أستطيع أن أستعير أحداث القطيف السياسية وأحوّلها إلى ذكرياتي. ولا أستطيع أن أقرر أنني كنت سأصبح بطلاً أو ضحية أو متمرداً لأن كل واحد من هذه الأدوار يخدم قصة جميلة.

يمكنني فقط أن أبني العالم الحقيقي بدقة، ثم أسأل ماذا كان سيفعل ذلك العالم بالاحتمالات التي أحملها.

أكثر ما شدني إلى دارين هو أن المكان نفسه يحمل آثار التحول في جسده. ما كان ماءً يمكن أن يصير أرضاً. ما كان مرفأً يدخل في عمران جديد. ما كان اقتصاداً بحرياً يصبح جزءاً من تاريخ يجاور اقتصاد النفط. الجيل الذي يولد بعد التغيير يرى الشكل الجديد أولاً؛ يحتاج إلى ذاكرة الأكبر منه، وإلى الصورة والخريطة والوثيقة، كي يرى ما تحته.

هذا جعلني أفكر في بلدتي أنا.

كم شيء في كورترايت أعتبره ”طبيعياً“ فقط لأنه كان موجوداً قبل ولادتي؟

كم طريقاً أو منشأة أو خطاً حدودياً يبدو نهائياً لأنه أقدم مني، لا لأنه كان دائماً هناك؟ كم من معرفتي بالمكان جاء من الدولة والخريطة، وكم جاء من أبي وأمي والناس الذين عرفوا ما سبقني؟

دارين جعلتني أرى أن المكان ليس سطحاً نسكنه. هو تراكم من القرارات والعمل والذاكرة والنسيان.

ولهذا أكتب إليكم لا لأقول لأهل القطيف ماذا تعني دارين.

أكتب لأنني أريد أن أعرف كيف يبدو هذا التمرين من الجهة الأخرى.

ما الذي يراه أهل المكان حين يقرأ شخص بعيد خرائطهم ويقول: لو كنتُ قد وُلدت هنا، لكان هذا المكان أقرب احتمال لحياة أخرى؟

ربما يبدو الأمر غريباً. وربما يكون فيه شيء مفيد أيضاً إذا بقيت الحدود واضحة.

أنا لا أحتاج إلى أن تصبح دارين ”لي“ كي تغيّر طريقة فهمي لنفسي.

هذا، في الحقيقة، هو أجمل ما تعلمته منها.

في زمن أصبح فيه الناس سريعاً يطالبون بالأماكن بالهوية، بالأصل، بالحق في الكلام باسم جماعة، أو حتى بالانتماء العاطفي وكأنه وثيقة ملكية أحب أن أحتفظ بعلاقة أخرى مع المكان: أن أتعلم منه من دون أن أمتلكه.

دارين لم تمنحني هوية سعودية.

منحتني سؤالاً كندياً أفضل.

حين عدتُ بخيالي إلى ضفة سانت كلير، بدأتُ أرى أنني لم أصنع نفسي وحدي.

صنعني النهر قليلاً. صنعتني الصناعة قليلاً. صنعني البيت والطبقة واللغة والقانون والمدرسة والأبواب التي كانت مفتوحة أو مغلقة. ولو تغيرت هذه الأشياء، لتغيرتُ معها.

لهذا اخترتُ دارين.

ليس لأنها المكان الذي أزعم أنني أنتمي إليه.

بل لأنها المكان الذي جعلني أفهم، من بعيد وباحترام، مقدار ما يعنيه أن يكون للإنسان مكانٌ ينتمي إليه فعلاً.

كاتب وصانع أفلام ومنشئ أنظمة كندي، تتناول أعماله البنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد السياسي، والثقافة.