مصير الحكواتي
سؤال خنفشاري:
كم واحداً منكم ما زال يمارس مهنة ”الحكواتي الليلي“ لأطفاله قبل النوم؟ أم أن الوظيفة انتقلت رسمياً إلى اليوتيوب والتيك توك والعفريت الذي يسكن داخل الجهاز اللوحي؟
زمان كان الأب يجلس على طرف السرير ويحكي قصة، أما اليوم فيجلس الطفل على طرف السرير ويقول لأبيه:
”بابا، لا تتدخل في السرد، الخوارزمية تعرف ماذا أحب أكثر منك.“
ولأن البشرية لا تتعلم إلا بعد وقوع المصيبة، فقد سلمنا أطفالنا لشخصيات كرتونية تصرخ طوال الوقت، ومؤثرين يملكون من الحكمة ما تملكه حبة بطاطس مقلية من الفلسفة.
لكن دعونا نتحدث بجدية ساخرة قليلاً.
كثير من الآباء يعتقد أن الحكاية مجرد وسيلة لإسكات الطفل حتى ينام. والحقيقة أنها ليست وسيلة للنوم بقدر ما هي وسيلة لتحديد نوع الكائن الذي سيستيقظ بعد عشرين سنة.
فحين تقول لطفلك:
”نم بسرعة وإلا سيأتي أبو رجل مسلوخة وأخته أم عين مقلوبة وابن عمهما الجنرال أبو أظافر طويلة.“
فأنت لا تربي طفلاً، بل تؤسس شركة متخصصة في إنتاج القلق واضطرابات النوم.
ثم تتفاجأ لاحقاً أن ابنك البالغ من العمر ثلاثين عاماً يضيء أنوار البيت كلها إذا ذهب إلى المطبخ ليلاً، وكأنه يستعد لهبوط طائرة بوينغ في الصالة.
العجيب أن بعض الحكواتيين يملكون خيالاً مرعباً لو استثمروه في أفلام الرعب لأصبحوا أثرياء.
فالطفل يسأل:
”لماذا يتحرك الستار يا أمي؟“
فتجيبه:
”يمكن جن.“
يسأل:
”ومن أصدر هذا التشخيص العلمي الدقيق؟“
لكن الطفل لا يملك حق الاستئناف، فيسجل المعلومة داخل دماغه ويبدأ مشروعاً بحثياً طويل الأمد حول الأشباح والعفاريت والكيانات المجهولة التي تسكن خلف الستائر والثلاجات وربما داخل علبة المناديل.
بينما كان يمكن للحكاية أن تكون أبسط وأجمل:
فارس يواجه مشكلة فيفكر.
طفلة تخطئ فتعتذر.
إنسان يختلف مع آخر فيتحاور معه دون أن يعلن عليه حرباً كونية.
لكن يبدو أن بعض الحكواتيين مقتنعون أن التربية الناجحة لا تكتمل إلا إذا نام الطفل وهو يلتفت وراءه كل ثلاث ثوانٍ.
وليس هذا رأياً خنفشارياً صرفاً، فالباحثون من جيروم برونر إلى ألبرت باندورا وغيرهما أمضوا سنوات طويلة ليقولوا لنا بلغة أكاديمية معقدة ما يمكن تلخيصه بجملة شعبية بسيطة:
الطفل يصدق الحكاية أكثر مما يصدق المحاضرة.
فما تعرضه عليه اليوم في قصة، سيظهر غداً في نظرته إلى نفسه وإلى العالم.
إذا كان بطل القصة جباناً من كل مجهول، سيتعلم أن الحياة مصيدة.
وإذا كان البطل شجاعاً وعاقلاً ومتسامحاً، سيتعلم أن الحياة تحدٍّ يمكن التعامل معه.
الحكاية ليست كلمات تخرج من الفم ثم تتبخر، بل برنامجاً يعمل في الخلفية لسنوات طويلة دون أن يراه أحد.
ولهذا فإن أخطر وظيفة تربوية في البيت ليست مدير الواي فاي ولا مسؤول توزيع المصروف ولا خبير البحث عن الريموت المفقود.
إنها وظيفة الحكواتي.
ذلك الكائن الذي يجلس مساءً ليزرع داخل رأس صغير بذوراً لن يعرف أحد شكل ثمارها إلا بعد سنوات.
فكل قصة هي تصويت سري على الإنسان الذي سيصبحه الطفل.
وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال:
هل نحكي لأطفالنا؟
بل:
هل نريد أن نربي طفلاً يواجه العالم بعقل وقلب، أم مواطناً يعتقد أن سبب سقوط الملعقة في المطبخ هو نشاط غير اعتيادي لعفريت يعمل بنظام المناوبات؟














