محمد.. الخُلُق العظيم
في مولد رسول الله محمد ﷺ، تقف اللغة حائرة أمام رجل اختصر الله وصفه في كلمات قليلة، لكنها أوسع من أن تحيط بها الكتب: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . لم يقل سبحانه إن له خلقًا عظيمًا فحسب، إنما جاء التعبير بما يوحي بالتمكن والعلو والثبات: ﴿لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . وكأن الأخلاق لم تكن خصالًا يتحلى بها في مواقف ثم يغادرها، ولكن مقامًا أقام فيه، ومنه كان يرى الناس ويتعامل مع الحياة.
نقرأ بعد ذلك دعاء حفيده الإمام زين العابدين
في مكارم الأخلاق: «اللهم صل على محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال»، عندها ندرك أن مدرسة محمد ﷺ لم تكن مدرسة شعارات، وإنما مشروعًا لصناعة الإنسان من داخله، يبدأ من الإيمان واليقين والنية، ثم يظهر عملًا وخُلقًا وسلوكًا. إذا كان حفيده يناجي الله طالبًا هذه المراتب العالية من الكمال، فكيف بمن كان الأصل الذي نهلت منه هذه المدرسة، حتى شهد له رب العالمين بعظمة خُلُقِه؟
لعل من أجمل ما يمكن أن نتأمله في ذكرى مولده أن نتخيل، بقدر ما تسمح به مخيلتنا، كيف كان شعور إنسان يعيش إلى جواره. أن تدخل عليه مثقلًا فيسمعك، وأن تخطئ في حقه وهو يملك القدرة على العقوبة ثم يختار العفو، وأن تكون ضعيفًا فلا تشعر أمامه بصغر شأنك، وفقيرًا فلا يجرح فقرك، وغريبًا فلا يوحشك، وطفلًا فيمنحك من اهتمامه ما يجعلك تشعر أنك مُهم. أي قلب كان ينبغي أن يحمله المرء في صدره حتى لا يقع في حب رجل كهذا..؟
العظمة الحقيقية لمحمد ﷺ لم تكن في أن الناس كانوا يصغرون أمام حضوره، وإنما في أن الصغير كان يكبر بقربه. لم يكن محتاجًا إلى أن ينتقص من أحد ليظهر قدره، ولا أن يقسو ليُهاب، ولا أن يتعالى ليُطاع. جمع من الهيبة ما يملأ القلب إجلالًا، ومن الرحمة ما يملؤه أمانًا. لذلك لم يكن عجيبًا أن تتعلق به القلوب، فبعض الناس تطيعهم خوفًا، وبعضهم تحترمهم عقلًا، أما محمد المصطفى فكان يفتح في الإنسان أبواب العقل والقلب معًا.
الأشد إدهاشًا أن هذا الخُلُق العظيم لم يظهر في أيام الراحة وحدها. ظهر حين أوذي، وحين كُذّب، وحين أُخرج من وطنه، وحين امتلك القوة بعد الضعف. هنا تُختبر الأخلاق حقًا.. فالعفو عند العجز قد يكون اضطرارًا، أما العفو عند المقدرة فاختيار يكشف معدن الإنسان. الرحمة بمن نحب أمرٌ يسير، لكن الرحمة حين يكون القلب قادرًا على الانتقام مرتبة أخرى. هنا نفهم شيئًا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
ميلاده
لم يكن مجرد ميلاد رجل عظيم في جزيرة العرب، وإنما ميلاد معنى جديد للإنسان ولإنسانية. جاء إلى عالم يعرف القوة، فأخبره أن القوة قد تكون في العفو. يعرف الشرف، فأعاد تعريفه بالتقوى. ويعرف الغنى، فدلّه على غنى النفس. ويعرف الانتصار، فعلّمه أن أعظم الانتصارات أن ينتصر الإنسان على غضبه وهواه وأنانيته. لم يطلب من البشر أن يغادروا إنسانيتهم كي يقتربوا من الله، ولكن علّمهم أن يسموا بإنسانيتهم حتى تصبح الرحمة والعدل والصدق والإحسان طريقًا إليه.
هنا يصبح السؤال في ذكرى مولده مختلفًا: ماذا نهديه نحن بعد قرون من رحيله؟ هل يحتاج رسول الله إلى قصائدنا بقدر حاجتنا نحن إلى أخلاقه؟ إن أجمل احتفال بمولده أن يعود شيء من محمد إلى بيوتنا.. شيء من لطفه في حديثنا، ومن حلمه عند غضبنا، ومن عفوه عند قدرتنا، ومن تواضعه حين ننجح، ومن رحمته بمن هم أضعف منا. أن يرانا الناس فيعرفوا من سلوكنا لماذا أحب العالم هذا النبي.
نحن الذين لم نر وجهه، ولم نسمع صوته، ولم نجلس بين يديه، بقي لنا طريق آخر للقرب منه: أن نجعله حاضرًا في أخلاقنا. كل قلب جبرناه اقتداءً به، وكل إساءة قابلناها بالحلم، وكل ضعيف حفظنا كرامته، وكل خصومة أطفأناها، وكل خير صنعناه بعيدًا عن الأضواء، هو سلام نرسله إليه بلغة ربما تكون أصدق من كثير من الكلمات.
في يوم مولده الشريف، ماذا عسانا أن نقول فيمن اصطفاه الله من خلقه، وجعله نبي الرحمة، وختم به رسالاته، ووصفه بما لم نعد نحتاج بعده إلى وصف؟ حسبنا أن نقف على أبواب محبته، ونقول: يا رسول الله، لم ندرك زمانك، ولكن بلّغتنا أنوارك. لم نجلس بين يديك، ولكن بقي بين أيدينا هديك. لم نسمع صوتك، ولكن ما زال نداؤك يعبر القرون ليعلّم الإنسان كيف يكون إنسانًا.
فسلام عليك يوم ولدت، وسلام عليك يوم حملت للإنسانية رسالة الرحمة، وسلام عليك ما بقي في الأرض قلب يذكر الله ويصلي عليك. اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعل فرحنا بمولده بداية اقتداء، ومحبتنا له خُلقًا وعملًا، واحشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه، ولا تفرق بيننا وبينه طرفة عين أبدًا.














