الحكواتي قرآني الأسلوب
ليس كلُّ من حكى حكواتيًّا، ولا كلُّ من قصَّ قصةً جاء للتسلية والإلهاء؛ فقد تكون الحكاية بابًا إلى الهداية، والقصة طريقًا إلى الدراية، والمشهد جسرًا تعبر عليه الحكمة من العقل إلى القلب، ومن السمع إلى الوعي، ومن الماضي إلى الحاضر.
ومن العجيب أن يُراد تشبيه الخطيب الحسيني بالحكواتي على سبيل الانتقاص، وكأن الحكاية مهنة بلا رسالة، أو رواية بلا دلالة؛ والحقيقة أن قيمة الحكاية ليست في اسم راويها، بل في أثر معناها، وما تحمله من عظة وعبرة، ومن حكمة وفكرة.
وقد سبق القرآن كل مدارس الخطاب حين جعل القصة منهجًا للتربية، وأداةً للهداية، ووعاءً للحكمة والدراية. قصَّ علينا خبر يوسف ليعلّمنا الصبر بعد الضر، وقصة موسى ليبيّن لنا الثبات أمام الجبر، وقصة نوح لتكشف قيمة الصمود مع طول العمر، وقصة أصحاب الكهف لتجعل من الفتية مدرسةً في العقيدة أمام الخطر.
ولذلك ختم الله بعض قصصه بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]. فلم يقل إنها حكايات للتسلية، بل عبرة لأولي الألباب؛ أي إن القصة في المنهج القرآني ليست نهاية الحديث، بل بداية التفكير والتدبر والتغيير.
وما يسمى اليوم في علوم القيادة والإدارة والتربية ب«السرد القصصي» أو Storytelling, وما تقوم عليه كثير من أساليب التأثير الحديثة من: اروِ القصة، ثم استخرج المعنى، ثم اربط الحكمة بالواقع؛ هو قريب في جوهره من منهج قرآني ضارب في عمق التاريخ، وإن اختلفت المصطلحات وتعددت المدارس.
فالخطيب حين يذكر واقعةً، ثم يستخرج منها قيمةً، ثم ينقلها إلى واقع الأسرة والمجتمع والأخلاق؛ لا يمارس تسليةً، بل يؤدي وظيفةً تربويةً وتعليميةً ووجدانيةً.
والمؤلم أن بعض النقد لا يناقش الفكرة، بل يستخف بالمنبر، ولا يحاور الدليل، بل يسخر من الأسلوب؛ وقد حذّر القرآن من هذا المسلك فقال: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30]، وقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 10].
ولم تكن نهاية الأمم المكذبة سلامًا؛ قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: 40]؛ فمنهم من أُخذ بالصيحة، ومنهم بالريح، ومنهم بالغرق، ليبقى التاريخ شاهدًا بأن الاستهزاء بالحق لا يحوّله باطلًا، كما أن السخرية من أهل العلم لا تجعل الجهل علمًا.
ثم إن الدين ليس هوًى شخصيًّا يُشكَّل حسب المزاج، ولا أحكامًا تُنتقى حسب المراد؛ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. فالصلاة لها علم، والصيام له حكم، والزواج والطلاق لهما فقه، والحلال والحرام لهما أهل اختصاص؛ وما وصل كثير من الناس إلى تفاصيل دينهم إلا عبر سلسلة طويلة من العلماء والخطباء والفقهاء والمعلمين.
فلا تستصغروا الحكاية؛ فقد تحمل أمةً في كلمات، ولا تسخروا من المنبر؛ فقد يوقظ قلبًا مات، ويهدي فكرًا تاه، ويصلح بيتًا انهار.
وليست الثقافة أن تضحك مما لا تعرف، بل أن تتعلم قبل أن تحكم، وأن تفهم قبل أن تهدم؛ فالحكاية إن حملت حكمةً أصبحت رسالةً، والمنبر إن حمل علمًا أصبح مدرسةً، والعاقل من يأخذ العبرة… لا من يسخر من وسيلة العبرة.














