من محمد (ص) إلى OECD: كيف تطورت أخلاقيات التجارة والعمل والحوكمة؟
في عالم الأعمال اليوم، لم تعد الأخلاق المهنية ترفًا إداريًا أو شعارًا يُكتب على جدران الشركات، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة والاستدامة وحماية السمعة، ومن هنا يبرز سؤال مهم: متى بدأت فكرة أخلاقيات التجارة والعمل؟ وهل هي نتاج الفكر الإداري والاقتصادي الحديث وحده؟
العودة إلى التاريخ تكشف أن جذور هذه الفكرة أقدم بكثير من الشركات الحديثة ومجالس إدارتها.
ففي القرن السابع الميلادي، قدم النبي محمد ﷺ نموذجًا متكاملًا لأخلاق التعامل والمعاملات، وكان يُعرف قبل البعثة بالصادق الأمين، وجاءت النصوص الإسلامية لتجعل الصدق والأمانة والعدل والوفاء بالعقود وحفظ الحقوق أسسًا للتعامل بين الناس، وليس مجرد سلوك اختياري.
وفي التجارة تحديدًا، جاء التحذير الصريح من الغش: «من غش فليس مني»، كما جعل الإسلام الوفاء بالحقوق والعهود جزءًا من المسؤولية الأخلاقية، ولم تتوقف المنظومة عند التاجر، بل امتدت إلى علاقة صاحب العمل بالعامل، وإلى حماية أموال الناس ومنع الظلم وأكل الحقوق بالباطل.
وبعد قرون، انتقل العالم إلى مرحلة مختلفة مع الثورة الصناعية ونشوء الاقتصاد الحديث والشركات الكبرى.
في عام 1759 نشر آدم سميث كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية، قبل أن ينشر عام 1776 كتابه الشهير ثروة الأمم. والمثير أن اختزال سميث في فكرة «المصلحة الشخصية» وحدها يغفل أن مشروعه الفكري بدأ أصلًا من سؤال أخلاقي يتعلق بسلوك الإنسان والعدالة والتعاطف.
ثم جاء ماكس فيبر في مطلع القرن العشرين، خصوصًا من خلال كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية عامي 1904-1905، ليبحث العلاقة بين القيم والانضباط المهني ونشوء الرأسمالية الحديثة.
لكن التحول الأكبر حدث مع ظهور الشركة الحديثة، ففي عام 1932 ناقش أدولف برلي وغاردينر مينز في كتابهما الشركة الحديثة والملكية الخاصة مشكلة انفصال الملكية عن الإدارة، فالمساهمون يملكون الشركة، بينما يتولى المديرون اتخاذ القرارات، وهنا بدأ السؤال الذي سيصبح لاحقًا جوهر حوكمة الشركات: من يراقب من يدير أموال الآخرين؟
وفي عام 1970 أشعل ميلتون فريدمان نقاشًا عالميًا حول مسؤولية الشركات عندما أكد أولوية تحقيق الأرباح للمساهمين ضمن قواعد اللعبة، وبعد ذلك جاء إدوارد فريمان عام 1984 ليقدم مفهوم أصحاب المصلحة، موسعًا مسؤولية الشركة لتشمل الموظفين والعملاء والموردين والمجتمع، وليس المساهمين فقط.
ثم جاء تقرير كادبوري عام 1992 ليحول كثيرًا من هذه الأفكار إلى ممارسات مؤسسية تتعلق بالرقابة والشفافية ومجالس الإدارة والتدقيق.
وفي عام 1999 أطلقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD مبادئها لحوكمة الشركات، التي أصبحت من أبرز المراجع الدولية في هذا المجال، ثم تطورت لاحقًا إلى مبادئ G20/OECD لعام 2023.
وهكذا قطعت الأخلاق رحلة طويلة: من أخلاق الفرد والتاجر، إلى أخلاق المهنة، ثم أخلاقيات الشركات، وصولًا إلى الحوكمة المؤسسية.
لكن المفارقة اللافتة أن السؤال الجوهري بقي واحدًا: كيف نضمن ألا تتحول القوة الاقتصادية إلى ظلم؟
الإجابة الحديثة كانت: الأنظمة، والرقابة، والإفصاح، والمساءلة.
أما الرسالة الأخلاقية التي سبقت ذلك بقرون فكانت أبسط وأعمق: الصدق والأمانة والعدل وحفظ الحقوق.
وفي قلب هذه الرحلة التاريخية يبقى النبي محمد ﷺ نموذجًا يستحق التوقف عنده، فقبل أن تعرف المؤسسات الحديثة مجالس الإدارة، وقبل أن تظهر مدونات السلوك المهني، وقبل أن تصبح الشفافية والمساءلة والحوكمة مفاهيم إدارية عالمية، كانت سيرته ﷺ تقدم نموذجًا عمليًا للأخلاق في التعامل مع الإنسان والمال والعمل، لم تكن الأمانة عنده وسيلة لبناء السمعة التجارية فحسب، بل مسؤولية أمام الله وحقًا للناس، ولم يكن العدل مرتبطًا بوجود الرقابة، بل مبدأً ثابتًا حتى في غيابها.
وهنا تتضح المفارقة الجميلة في هذه الرحلة: العالم الحديث أمضى قرونًا في تطوير الأنظمة التي تراقب السلوك، بينما قدم النبي محمد ﷺ نموذجًا يجعل الأخلاق نابعة من داخل الإنسان قبل أن تفرضها الأنظمة من خارجه.
ولعل أعظم درس يمكن أن تستخلصه الشركات والمؤسسات اليوم هو أن الحوكمة تستطيع أن تضع الحدود، والقانون يستطيع أن يعاقب المخالف، لكن الأخلاق هي التي تمنع الإنسان من استغلال السلطة عندما يستطيع الإفلات من العقوبة.
فأفضل حوكمة ليست تلك التي تراقب الإنسان فقط، وإنما تلك التي تبني إنسانًا لا يحتاج إلى من يراقبه.














