آخر تحديث: 1 / 9 / 2026م - 11:10 م

قصة كوميدية بطعم الحمية «2»

أبو علي... و”الدايت“ الذي هزمه الإفطار!

رضي منصور العسيف *

مرَّ أسبوع...

وفي كل صباح، كان أبو علي يقف أمام المرآة، يتأمل وجهه، ويقول بثقةٍ لا تعرف التردد:

— اليوم... البداية الحقيقية!

حتى إن أفراد الأسرة حفظوا هذه العبارة عن ظهر قلب.

فإذا رأوه يبتسم في الصباح، قالوا قبل أن ينطق:

— عرفنا... اليوم البداية الحقيقية!

كان يبدأ كل مرة بحماسٍ يشبه حماس لاعبٍ يستعد لنهائي بطولة العالم، ويقسم في نفسه أن هذه المرة مختلفة... وأن الكرش لن يصمد طويلًا!

وفي العمل، لم تعد قصة الحمية سرًّا.

فقد أصبح زملاؤه يعرفون أن علاقة أبي علي بالحمية علاقةٌ موسمية؛ تبدأ بحماسٍ كبير، ثم لا تلبث أن تدخل في إجازةٍ مفتوحة. يلتقيان أيامًا قليلة، ثم يفترقان، على أمل لقاءٍ جديد مع أول يوم أحد!

وفي صباح أحد الأيام، استقبله زميله جاسم بابتسامةٍ عريضة، وقال:

— صباح الخير يا أبا علي... منذ مدة لم تشاركنا الإفطار، واليوم لا عذر... ستكون ضيفنا.

ابتسم أبو علي وقال وهو يهز رأسه بأسف:

— أعذروني يا جماعة... أنا دايت.

ضحك جاسم، وربت على كتفه قائلًا:

— وهل يليق بك أن ترد دعوتنا؟! دع الدايت يستريح اليوم... وتعال معنا، فالزملاء جميعهم ينتظرونك.

تردد أبو علي لحظات...

ثم قال الجملة التي يعرفها الجميع:

— حسنًا... لكن هذه المرة فقط!

دخلوا الكافتيريا...

وما إن وقعت عيناه على مائدة الإفطار حتى شعر وكأن الأصناف تناديه واحدًا واحدًا.

طبق البيض المقلي يبتسم له...

والجبن يلوّح إليه...

والحلاوة تكاد تقول:

”اشتقنا إليك!“

أما الفطائر، فكانت تنظر إليه بثقة من يعرف أنه سينتصر في النهاية!

وقف أبو علي يتأمل المائدة، ثم قال متحسرًا:

— حرام عليكم... أنتم تخربون الدايت قبل أن يبدأ!

انفجر الجميع بالضحك.

وقال جاسم وهو يدفع الطبق نحوه:

— تفضل... قل: بسم الله.

ثم أضاف مازحًا:

— أقسمنا ألّا يبدأ أحد بالأكل حتى تبدأ أنت!

ساد صمتٌ قصير...

وفي داخل أبي علي كانت تدور معركةٌ شرسة.

عقله يقول:

”تمسّك بالدايت...“

أما معدته، فكانت تردد:

”الفرصة لا تتكرر!“

وأخيرًا...

مد يده نحو الطبق، وقال وهو يبتسم:

— علشانكم... فقط!

وما إن نطق بها، حتى أعلن الدايت انسحابه من المعركة دون مقاومة!

وخلال دقائق قليلة...

اختفت الأطباق، وأعلنت الصحون أنها أدت رسالتها على أكمل وجه.

تنهد أبو علي، ومسح يديه، ثم نظر إلى زملائه وقال مبتسمًا:

— أرجوكم... لا تجعلوني أقع في هذا الذنب مرةً أخرى!

ضحك جاسم وقال:

— نعدك... ولكن بشرط، إذا بدأت الدايت غدًا، فلا تؤجله إلى الغد الذي بعده!

نهض أبو علي من المائدة وهو يربت على بطنه وقال:

— شكرًا لكم على الإفطار... لكن أقسم أن هذه آخر مرة!

تبادل الزملاء النظرات، ثم انفجروا جميعًا بالضحك وقالوا بصوتٍ واحد:

— نعم... نعم... آخر مرة! لقد حفظنا هذه العبارة كما نحفظ أسماءنا!

ابتسم أبو علي وغادر الكافتيريا، لكنه ظل طوال الطريق إلى مكتبه يحدث نفسه:

— يبدو أنني بحاجة إلى خطةٍ لمواجهة هذه المفاجآت... فالمشكلة ليست في الحمية، بل في المغريات التي تهاجمني من كل اتجاه!

جلس على مكتبه، وأمسك بالقلم، وكتب في ورقة صغيرة:

”القاعدة الأولى: لا تذهب إلى الكافتيريا وأنت جائع.“

ثم ابتسم وقال:

— هذه بداية جيدة... بقي أن ألتزم بها!

وانقضى يوم العمل بعد ثماني ساعاتٍ من المعاملات والاجتماعات واستقبال المراجعين، حتى عاد إلى منزله وقد بدت علامات الإرهاق على وجهه.

استقبله ابنه قائلًا:

— أراك متعبًا يا أبي.

تنهد أبو علي وقال:

— متعب جدًا... لكن أخبرني أولًا... هل الغداء جاهز؟

ثم رفع صوته نحو المطبخ:

— أم علي... هل الغداء جاهز؟

جاءه الرد سريعًا:

— نعم... الغداء بانتظارك.

جلس الجميع حول المائدة...

وما إن رفع غطاء الصحن حتى اتسعت عيناه وقال بإعجاب:

— يا سلام! كبسة!

ثم التفت إلى أم علي وقال مبتسمًا:

— أشهد أنكِ فنانة... لا أحد يطبخ الكبسة مثلك.

ولم ينتظر كثيرًا...

فقد بدأت الملعقة تعمل بنشاطٍ يعوّض ساعات الدوام الطويلة!

ابتسم ابنه وقال:

— بابا... على رسلك! أليس اليوم أول أيام الحمية؟

توقف أبو علي فجأة، ونظر إلى الملعقة في يده، ثم قال:

— يا ساتر... نسيت!

وسكت لحظة، ثم ابتسم وأضاف:

— لا بأس... هذه آخر لقمة.

ضحكت أم علي، ومدت إليه ملعقةً أخرى، وقالت:

— وهذه اللقمة مني... ولا ترد خاطري.

نظر إليها، ثم إلى الطبق، ثم قال مستسلمًا:

— إذا كان الأمر جبر خاطر... فلا يجوز الرفض!

تناولها وهو يبتسم، ثم أسند ظهره إلى الكرسي وقال متحسرًا:

— يبدو أن هذا اليوم أيضًا... خرج من الحمية سالمًا!

وصفة صحية

الحمية الناجحة لا تعني رفض المناسبات... بل حسن الاختيار:

يمكنك مشاركة زملائك وأسرتك الطعام دون أن تهدم خطتك؛ اختر الكمية المناسبة، وخفف الأطعمة العالية بالسعرات، وتعلّم أن تقول: ”يكفيني، شكرًا“ بدلًا من عبارة أبي علي الشهيرة: ”هذه آخر لقمة!“.

... وللقصة بقية.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف