آخر تحديث: 3 / 9 / 2026م - 1:28 ص

تطوير جزيرة تاروت «3-3»

أمين محمد الصفار *

تنمية الناتج المحلي وتعزيز التنافسية

هناك عدد من المناطق المعروفة على مستوى العالم، رغم صغر مساحتها، فإنها مدعومة بميزات صُممت خصيصًا لها، وبمقاييس تناسبها. تكلّل هذا النوع من الدعم بنجاحات عدة، من أهمها جعل مستوى الدخل في تلك المناطق مرتفعًا مقارنة بمن حولها، بل ومنافسًا للعديد من الدول الصناعية ذات الدخل المرتفع.

من التجارب البارزة في هذا الصدد: مكاو التابعة للحكومة الصينية التي لا تزيد مساحتها عن 32 كيلومترًا مربعًا، ولديها عملة خاصة بها وكأنها دولة، وكذلك جبل طارق التي لا تتعدى مساحتها 7 كيلومترات مربعة، وهي وجهة سياحية وملاذ ضريبي، وأيضًا موناكو بمساحة لا تزيد عن كيلومترين مربعين، وهي تتربع على قائمة المناطق الخاصة بسياحة الأثرياء. هذه المناطق جرت هندسة ناتجها المحلي عبر خلق ميزات تنافسية ودعمها بالأنظمة والإجراءات والمزايا التفضيلية، وهي الآن من المناطق المعروفة على مستوى العالم، وليس فقط في الأقاليم التي تقع فيها. هذه المناطق تتشابه وتختلف في اعتماد ناتجها المحلي على ثلاثة مقومات: الخدمات المالية والملاذات الضريبية والسياحة الترفيهية.

هذه أمثلة أستطيع القول إنها أمثلة استرشادية وليست دعوة لاستنساخها، فجزيرة تاروت هي في موقع أفضل من هذه الأمثلة، وتتمتع بمزايا وأفضلية أكثر وتحديات أقل. فهي تتميز بعدد من المزايا المهمة؛ إذ تتوسط أهم مدن المنطقة الشرقية، في دولة هي محط أنظار العالم، وهي قريبة من مطار دولي، ويحيط بها ميناء تجاري وأكبر ميناء نفطي في العالم، وميناء صناعي، وبها ميناءان اثنان لصيد الأسماك وثالث على بعد أمتار منها، وهي قريبة من معظم دول الخليج والوصول إليها سهل ويسير، وهي جزيرة ضاربة في التاريخ منذ آلاف السنين، بعض معالمها التاريخية الفريدة ما زالت شاخصة، كما تحتفظ بكنز بيئي متنوع، فهي محطة لهجرة الطيور وبيئة خصبة لأشجار المانغروف، وظاهرة المد والجزر للبحر ما زالت ظاهرة يمكن مشاهدتها من معظم جهاتها، إضافة إلى الثراء الثقافي والتراثي، يجمع إنسانها بين نمط الحياة المعاصر والحفاظ على الجانب التراثي المتنوع، ويقيم بالقرب منها عشرات الجنسيات من مختلف وأهم دول العالم، وكل هذا متوَّج بالاهتمام الرسمي الذي تمثّل في تأسيس مؤسسة عامة تُعنى بتطويرها، وحظيت بأن تكون مرجعيتها المباشرة هي رئيس مجلس الوزراء.

إن تنمية الناتج المحلي تحتاج إلى تعزيز للبنية التحتية من خلال فتح وتطوير الشوارع وفق معايير طموحة، والمحافظة على نموذج معياري لصيانتها وتطويرها. إن فتح الطريق للأسواق ذات الميزة التنافسية، سواء للمنتجات المحلية أو المنتجات التي يقبل عليها الأهالي والباحثون عن تجربة تسوق مميزة وغير متاحة في كثير من المدن، هو من أهم ما تحتاجه الجزيرة. للأسف، في كثير من الخطط لا نرى وجودًا لعنصر الأسواق المميزة ضمن الاستراتيجية أو خطط التطوير، فالعلاقة مباشرة ورئيسة بين وجود الأسواق وتنمية الناتج المحلي. فتنمية الناتج المحلي لا تحتاج إلى أخذ دور القطاع الخاص، بل جعل الأنظمة والإجراءات أكثر حداثة ومرونة وشفافية واستجابة للمتغيرات المتسارعة.

لعل من أبرز التحديات التي قد تواجه مؤسسة التطوير هي: أولًا، قدرتها على فهم احتياجات الجزيرة من منظور أهالي الجزيرة وليس من خلال النماذج الجاهزة. ثانيًا: مدى قوة وفاعلية نموذج التنسيق الذي تتبعه المؤسسة مع الجهات ذات العلاقة بعملها، خصوصًا بعد مضي أربع سنوات على إنشائها، فهي بحاجة إلى تطبيق نموذج أثبت نجاحه، ولها في التغيير الذي حدث في المملكة خلال السنوات العشر الماضية خير مثال وأسوة. ثالثًا: الرسائل السلبية غير المقصودة التي قد تصل لمختلف الأطراف ذات العلاقة، سواء أكانوا عامة الناس أم رجال الأعمال أم غيرهم، فكما ذكرنا في المقال الأول، إن وجود مقر المؤسسة خارج الجزيرة رسالة ودعوة غير مشجعة، بل هي لغة يفهمها رجال الأعمال بشكل مختلف غير إيجابي مهما بُذلت من جهود، والعكس صحيح أيضًا، فالوجود في الجزيرة رسالة عملية لا تقبل التأويل.

إن جزيرة تجمع كل هذه الميزات هي جزيرة تقول لمؤسسة التطوير «هيت لك»، فأنا جاهزة لأتحلى بأفضل الحُلَل التطويرية على مستوى البنى التحتية والمشاريع التطويرية، وأستحق المزايا التفضيلية التي تتوج بها أي منطقة يتوسم فيها الخير والنماء.